الأربعاء، 19 أغسطس 2015

الإرهاب ومعضلة وضع مفهوم له على الصعيد الدولي وأخطاره على أمن المنطقة

  • المحاولات القانونية لتعريف الإرهاب على الصعيد الدولي: 
عرفت اتفاقية جنيف لقمع ومعاقبة الإرهاب لعام 1937 م، على أن الأعمال الإرهابية هي الأعمال الإجرامية الموجهة ضد دولة ما وتستهدف، أو يقصد بها، خلق حاله من الرعب في أذهان أشخاص معينين، أو مجموعة من الأشخاص، أو عامة الجمهور.
أما الاتفاقية الأوروبية لعام 1977 م، فلم تأتي بتعريف محدد للإرهاب فقد عددت مجموعة من الأفعال، منها ما كان قد حرم سابقا باتفاقيات دولية سابقة، أو كان التعامل الدولي قد حرمها، وأضاف إليها الأفعال الخطرة التي تهدد حياة الأشخاص أو أموالهم، ومن المأخذ على هذا التعريف عدم إرضائه الدول المشاركة، وذلك لعدم مصادقة أية دولة على الاتفاقية، وبحصر هذا التعريف بالإرهاب في بث الرعب بين الأشخاص أي بين العامة، لكن الحقيقة تشير إلى أن للإرهاب أهدافا أبعد وأشمل.
أما الاتفاقية العربية لعام 1998م، فقد عرفت الإرهاب في مادتها الأولى فقرة (2) بأنه الفعل من أفعال العنف أو التهديد أيا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إفشاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر.

  • الأمن الإقليمي لدول المنطقة:
الأزمة الأمنية المتفاقمة في سوريا والعراق تمثل القلق الأكبر لدول المنطقة حيث ولد من رحم هذه الأزمة تنظيمات مسلحة تجمع بين القوة العسكرية وعنصر الإدارة والتنظيم منها الدولة الإسلامية في العراق والشام واختصارها "داعش" وجبهة النصرة والجبهة الإسلامية كما برزت قوات البيشمركة التابعة للأكراد في المشهد الأمني في هذه الفترة. ومن التعريفات السابقة للإرهاب يتم إدراج كل هذه الفصائل تحت طائلة الإرهاب الدولي.

و بعيداً عن تعقيدات المشهد الأمني في سوريا والعراق والذي لا يزال مفتوحاً على الاحتمالات كافة فإن هذا التحليل يناقش البعد الإقليمي للأزمة الأمنية والتداعيات المحتملة لها على دول المنطقة من خلال الوقوف على أبعاد القلق الذي تمثله هذه التنظيمات على دول المنطقة وكذلك التعرف على الملامح العامة لمواقف دول المنطقة مما يحدث في سوريا والعراق.

 1. البعد الإقليمي للأزمة الأمنية:
ثمة مؤشرات واضحة بدت خلال الفترة الأخيرة تؤكد أن مخاطر هذه التنظيمات لا تقتصر على الداخل العراقي والسوري فقط وإنما قد تمتد إلى دول المنطقة، وتحديداً دول مجلس التعاون الخليجي، وبوادر هذا الأمر قد ظهرت بعد دخول مقاتلي هذه التنظيمات إلى بلدة عرسال بلبنان ومواجهتهم للجيش اللبناني، وانتقال هذه المواجهات الشرسة إلى الجولان حيث سيطرت جبهة النصرة على هذه الجبهة، وبدْء المناوشات بينها وبين قوات الأمم المتحدة وتنفيذ عدة ضربات إرهابية في الداخل السعودي من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، والمناوشات بين هذا التنظيم والجيش التركي، فهذه التنظيمات تتحرك بشكل تكتيكي مستغلة بعض الاضطرابات في بعض المناطق لبناء قواعد انطلاق إلى كل أنحاء المنطقة. ويستوقفنا هنا التهديد الذي أطلقته الدولة الإسلامية في العراق والشام في مايو الماضي 2014 بالتمدد إلى دول الخليج رداً على الإجراءات الأخيرة التي أقرتها بعض الدول الخليجية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ضد المقاتلين العائدين من سوريا.

بالنظر إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام نجد أن هذا التنظيم نجح في السيطرة على عدة أماكن استراتيجية في العراق، وبذلك فإنه يعمل على تثبيت وضعه ونفوذه في مجريات الصراع العسكري الدائر في سوريا وعدم قدرة النظام الدولي على حصاره في العراق أو سوريا. وقد حقق ذلك بعد سقوط محافظة نينوى على وجه الخصوص في يده، حيث أنها تربط بين الموصل والأنبار والحدود السورية، مما يسهل تسلل المقاتلين والسلاح والأموال بين الدولتين، وهذا يدل على أن هذا التنظيم يملك سلاحا استراتيجيا قويا وفكرا سياسيا صلبا.  
2. البعد الطائفي والمذهبي للأزمة الأمنية:
ترجع نشأة هذه الأزمة إلى بعد طائفي مرتبط بسياسات التهميش والإقصاء الطائفي الذي اتبعه نظام بشار الأسد، ثم من بعد ذلك حكومة المالكي، وهذا البعد دعمه فكر نوري المالكي المتطرف إذ قام بتكوين ميليشيات شيعية للدفاع عن العراق ضد تنظيم الدولة الإسلامية، أما إيران فقد أرسلت عناصر من الحرس الثوري الإيراني للدفاع عن المالكي، كما فتحت مراكز للمتطوعين الراغبين في الذهاب للقتال في العراق تحت مظلة طائفية ألا وهي الدفاع عن المراقد الشيعية في كربلاء والنجف وبغداد وسامراء، ومن الناحية الأخرى اتجاه العديد من أهل السنة في الخليج للذهاب إلى سوريا والعراق للقتال ضد الشيعة. ويكمن الخطر الأكبر للأزمة في الأبعاد الطائفية التي تسهل انتقال هذه التنظيمات إلى كافة دول المنطقة. وهذا ليس ببعيد فقد انتقل هذا الخطر الطائفي إلى اليمن حيث المناوشات بين السنة وجماعة الحوثي الشيعية وبوادر انتقال هذه الأزمة إلى البحرين.
3. البعد التنظيمي لمثل هذه التنظيمات:
تتمتع هذه التنظيمات بقوة تنظيمية كبيرة حيث استطاعت هذه التنظيمات إنشاء أجهزة خدماتية في المناطق المسيطرة عليها، كما أنها تمكنت من خلق إطار مؤسسي منظم للمناطق المسيطرة عليها، مما يدفعنا للقول أن هذه التنظيمات تمتلك القوة الإدارية للدولة والقوة العسكرية الصلبة مثل تنظيم القاعدة.
بجانب هذا استطاع تنظيم الدولة الإسلامية أن يقدم نموذجاً للتطور الفكري للحركات الجهادية إذ استطاع أن يقيم اقتصادا بموارد رئيسية دائمة، حيث أصبح التنظيم مصدراً للبترول، وتشير التقديرات إلى أن دخله من البترول يقدر بـ 360 مليون دولار سنوياً كما أنه يستحوذ على 1/3 إنتاج العراق من القمح وأصبح يدير 6 مصانع وهنا تحول من فكر إدارة الموارد الطبيعية إلى فكر إنتاجي ويعتمد على الضرائب أيضاً حيث يبلغ دخله منها بمقدار 96 مليون دولار سنوياً.
كما أن هذا التنظيم لديه القدرة على قيادة الجرائم المنظمة واستطاع في الآونة الأخيرة من صناعة شبكة عابرة للحدود، حيث أن التنظيم الأم يدعم فروعه في مناطق متفرقة منها (ولاية سيناء في مصر – و تنظيم الدولة بسرت في ليبيا – وتنظيم بوكوحرام في نيجيريا) وهو ما يجعل مواجهة استراتيجيته التوسعية الممزوجة بالقوة العسكرية مهمة في غاية التعقيد، خاصة أن الضربات العسكرية الجوية من قبل التحالف الدولي لم تأتِ بثمارها.

  • رؤية هذه التنظيمات:
تمتلك هذه التنظيمات رؤية مستقبلية للمنطقة حيث تسعى إلى أستاذية العالم وتمكين الخلافة الإسلامية وتسير في هذا الطريق بكل قوة وحسم، معتمدة على إثارة الصحوة الإسلامية في نفوس أهل السنة، ومن ثم القضاء على النعرات الشيعية. وتمتلك هذه التنظيمات قوة فكرية تجعلها تتلاعب مع النظام الدولي، ومحاولة إدخال هذا النظام في تفاوضات معها مما دفع البعض للقول بأن إيقاف هذه التنظيمات لن يكون بالحل العسكري فقط بل يجب أن يخالطه حل سياسي، وتنطلق هذه الرؤية من قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على القضاء على تنظيم القاعدة وطالبان في أفغانستان وظهور تنظيم الدولة الإسلامية من رحم الاحتلال مما أدى إلى خروج الولايات المتحدة الأمريكية من العراق ثم بدأها في عملية الانسحاب من أفغانستان مما يدعم رؤية التدخل العسكري ضد الدولة الإسلامية قد يعرقل من تقدمها إلا أنه لن يمحوها فهذه التنظيمات تتحرك بفكرة السيل الذي لا يقهر ورفعت شعار الدولة باقية وتتمدد.

وبشيء من التفصيل نلقي الضوء على تنظيم ولاية سيناء، "جماعة أنصار بيت المقدس"ولاية سيناء حالياً:

"أنصار بيت المقدس" كانت بالأساس متواجدة في غزة، وكان هدفها الأساسي، كما هو واضح من الاسم الذي تحمله، "تحرير فلسطين والأقصى"، ونتيجة تطورات الأوضاع في غزة، والتزام "حماس" بالتهدئة مع اسرائيل جرى تحول لدى الجماعة بسبب القيود والتضييقات التي مورست عليها من قبل حركة "حماس"، خاصة وأن "أنصار بيت المقدس" حاولت أحيانا كسر الهدنة القائمة مع اسرائيل بين فترة وأخرى مما خلق إشكالات لها مع "حماس" التي تهيمن على القرار في القطاع الفلسطيني المحاصر ومع الضغوط عليها تسرب بعض أفرادها إلى سيناء. ويعد هذا التنظيم من أخطر التنظيمات في مصر، فقد نجح في توجيه بعض الضربات وتنفيذ الهجمات على الجيش المصري في سيناء وقد ظهرت هذه الجماعة في مصر بوضوح بعد عزل الدكتور محمد مرسي عقب أحداث 30 يونيو.

وفي بادئ الأمر كان ينظر هذا التنظيم إلى الجيش المصري باعتباره جيش ظالم يجور على المدنيين إلى أن تمت مبايعة هذا التنظيم للدولة الإسلامية، ومنذ هذه اللحظة أطلقوا مصطلح الردة على الجيش المصري ويرقى هذا التنظيم إلى مصطلح إرهابي فهو يمتلك أهداف توسعية ومسلحة ويعد ظهور التنظيم في هذا التوقيت ليس للوقوف مع جماعة الإخوان المسلمين وليس دفاعاً عن الديمقراطية -فهم لا يؤمنون بها من الأساس حيث يعتبرون الديمقراطية كفراً- ولكن تحركاتهم كانت من أجل خوف هذا التنظيم على مستقبل الحركة الإسلامية في مصر حيث أنهم يروا استضعاف التيار الإسلامي فوقفوا ضد الإخوان وقالوا أن سلميتهم ليست من الدين وأن الجيش المصري جيش الردة وهذا ما يؤيد فكرة أنهم يعارضوا ويعادوا كل من يقف ضد مصالحهم ورؤيتهم المستقبلية.

ولاية سيناء ومصادر تمويلها:

تعتمد ولاية سيناء على دعم التنظيم الأم وهو الدولة الإسلامية ويعد هذا أهم مصادرها المالية والبشرية والمادية حيث أن تنظيم الدولة الإسلامية استطاع تكوين شبكة عابرة للحدود لتغذية التنظيمات المؤيدة لها في باقي أنحاء العالم كما أن هذه التنظيمات استطاعت أن تخلق لنفسها أصولا وتمويلا ذاتيا، ثم تأتي بعد ذلك أموال الزكاة والتبرعات من الجهات ورجال الأعمال المدعمة لها وعمليات التهريب ( بشر – سلع – سلاح ) ثم سياحة الفدية وهي أحد أهم مصادر تمويل مثل هذه التظيمات واعتمدت على هذا المصدر من قبل تنظيم القاعدة بأفغانستان وحركة الشباب المجاهدين بالصومال.
وبذلك فإن النظام الحالي في مصر هو بين مطرقتي تنظيم ولاية سيناء وسعيه لتقوية شوكته في سيناء وأهدافه التوسعية وبين الخطر الذي يهدد الأمن القومي من الحدود الليبية المصرية.


تأليف: عبد الله المصري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق