‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 28 أغسطس 2015

مفهوم السفر عند الصوفية

إنّ المتطلع لمادة "سَفَرَ" في اللغة العربية وما تكتنزه من معان عديدة تُوحي عن الكشف والإظهار، تتبين له العلاقة القويّة التي تربط الصوفي بالسفر، ولعل الوقوف على كلام أصحاب المعاجم في هذه المسألة يوضّح الرؤية شيئا فشيئا.

معنَى "سَفَرَ" في لسان العرب: "سفر البيتَ وغيره يسْفرهُ سَفرا، كنسه والمسْفرةُ المِكنسةُ وأصله الكشفُ والسُّفارةُ بالضم الكُنّاسة وقد سفره كشطهُ، وسفرت الريح الغيمُ عن وجه السماءِ سفرا فانْسَفر فرّقته فتفرق وكشطته عن وجه السماء وأنشد : سفر الشَّمال الزّبرج المُزبْرَجَا، والرياحُ يُسافر بعضها بعضا لأن الصبا تسفِرُ ما أسدته الدَّبُور والجنوبُ تُلحِمُه والسفير ما سقط من ورق الشجر...".1
وعند ابن فارس: "رجلُ سفْرُ وقومُ سفرُ، وسفرتَ بين القوم سفارةً إذا أصلحتَ، والوجه المُسفر هو المشرقُ سرورا..".2
وفي الحديث أن عُمرَ دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "يا رسول الله لو أمرت بهذا البيت فسُفرَ".3
ومعنى "سفر" في مختار الصحاح: "السَّفَرُ قطع المسافة والجمع أسفار والسّفرةُ الكتبةُ، قال تعالى: "بأيدي سفرةٍ".4
قال الأخفش: وأحدهم سَافر مثل كافر والسِّفرُ بالكسر الكتاب والجمع أسفار، قال تعالى: " كمثل الحمار يحملُ أسفارا".5
والسُّفرةُ بالضم طعام يتخذ للمسافر ومنه سُميت السفرة والمسفرة بالكسر المكنسة والسفير الرسول المصلح بين القوم والجمع سُفراء.
وفي صحاح اللغة السَفر قطع المسافة والجمع الأسفار والسفرُ أيضا بياض النهار.
بين أهل اللغة أن السَفر يعني كشف الغطاء عن الرأس أو الخمار عن الوجه أو التراب عن الأرض أو الغيوم عن السماء، ومنه اشتقت كلمة المسافر بمعنى المغادر للمكان الذي كان نازلا فيه ويقال أيضا ما سُمّي المسافرُ مسافرا إلاّ لكونه يسفرُ -يفصِحُ- عن أخلاقه فيظهر ما كان خفيا منها لينكشف على حقيقته.
كذلك من المعاني في هذا الباب معنى الإشراق والإضاءة، فطريق المسافر يحتاج إلى إضاءة ليبلغ مراده وكلّ من هذه المعاني السابق ذكرها يسعى الصوفي وبشدة لترفقه في طريقه لربه.
لعلك تتساءل هنا عن حقيقة سفر الصوفي وعن الوسائل التي يتوسلها في سفره؟
دعنا نتفق أولا أن السفر يمثل حقيقة كل الأشياء، إنه التركيبة الحيوية والنسق الحركي المتواصل لهذا العالم من الذرة إلى المجرة، فضلا عن هذا الإنسان الذي اجتمعت فيه من خلال مساره كلّ أشكال السفر وأنواعه، فخروجه من ضيق الرحم لسعة الوجود سفر، ومروره من طور لطور سفر، دقات قلبه سفر وأفكاره سفر وخياله سفر وكلماته مسافرة من أعماقه لتتلقاها الأسماع وانتقاله من الدنيا إلى الآخرة سفر ومن الحساب سيسافر إما للجنة وإما للجحيم...
"فالسفر وسيلة إلى الخلاص من مهروب عنه أو الوصول لمرغوب فيه ، والسفر سفران ، سفر بظاهر البدن المستقر والوطن ، وسفر بسير القلب عن أسفل السافلين إلى ملكوت السماوات ، وأشرف السفر سفر الباطن".6
وبناء على ما ذكرناه نشير على وجه الخصوص إلى تلك الأسفار المشروعة للإنسان ضمن أنواع ثلاثة من السفر، سفر من عند الله وسفر إليه وسفر فيه، أهمها التي فيها السفر ربّاني أو يكون فيها المرء مسافرا به كما هو حال الأنبياء والأولياء المصطفين الذين عن الخوف والحزن فرّوا.
قال الإمام الأكبر محي الدين ابن عربي رحمه الله: "أمّا بعد فإن الأسفار ثلاثة لا رابعة لها أثبتها الحق عز وجل وهي سفر من عنده وسفر إليه وسفر فيه، وهذا السفر فيه هو سفر التيه والحيرة، فمن سافر من عنده فربحُه ما وجد وذلك هو ربحه، ومن سافر فيه لم يربح سوى نفسه، والسفران الأوّلان لهما غاية يصلون إليها ويحطون عن رحالهم، وسفر التيه لا غاية له، والطريق التي يمشي فيها المسافرون طريقان، طريق في البر وطريق في البحر، قال الله عز وجل: "هو الذي يُسيّركم في البر والبحر".7
قلت أن السفر منه هو القدوم لمهمة عظيمة ومسؤولية جليلة وهي استخلافه في أرضه وذلك بعمارتها وعبادته والامتثال لأوامره والانتهاء لنواهيه فضلا عن معاينة بديع صنعه والتفكر في عالم ملكه، والسفر إليه أوله شوق وأوسطه سير ومجاهدة فوصول ومكاشفة، أمّا السفر فيه هو الفناء في عشقه وقد قيل: "قلوب أهل الحق طائرة إليه بأجنحة المعرفة ومستبشرة إليه بمولاة المحبّة".
"والمسافرون فيه طائفتان، طائفة سافرت فيه بأفكارها وعقولها فضلّت عن الطريق ولابدّ، فإنهم ما لهم من دليل في زعمهم يدل سوى فكرهم وهم الفلاسفة ومن نحا نحوهم، وطائفة سُوفِر بها فيه وهم الرسل والأنبياء والمصطفون من الأولياء كالمحققين من رجال الصوفية مثل سهل بن عبد الله وأبي زيد وفرقد السبخي والجنيد بن محمد والحسن البصري ومن شهر منهم ممن يعرفه الناس إلى زماننا...".8
إن المسافر عند القوم هو من أقام مرابطا على ثغر المجاهدة فالتزم بحدود الشريعة امتثالا وانتهاء فلسفته في هذا الطريق التخلية والتحلية -التخلي عن كل مذموم والتحلي بكل محمود، لذّته في مشقة كبح سلطان نفسه وسعادته أينما تفرّغ من تخطيه لمسافة حُفّت بما يحول دونه ومراده وكما سُئل عمران عن الجزع الذي يلحق المسافر في سفره فقال: " إذا خفت عليه فألقه في اليم، يعني لا تبال أيش ما لحقك بعد ما تكون متوجها إلى الله تعالى..."9، ذخره المجاهدة والاستسلام والتوكل، قال ابن عربي: "اتخذت الاستسلام جوادا، والمجاهدة مهادا، والتوكل زادًا".10

يتبين إذًا أن عماد هذا السفر المجاهدة والتوكل والاستسلام، وكما تعاهد أهل السفر للأقطار أن لا بد من زاد يهون على المسافر مشقة السفر ووطأته فإن أهل الحقيقة تعاهدت قلوبهم ألا انفكاك من التزود بهذه الثلاثة ناهيك أن يتخلق ويتعلق ويتحقق بها أيضا حتى تفيء روحه لحضرة مولاه، وكما جاء على لسان الشيخ الأكبر في هذا الضرب من المعراج قوله "هو معراج أرواح لا أشباح، وإسراء أسرار لا أسوار، وسلوك معرفة ذوق وتحقيق لا سلوك مسافة وطريق إلى سماوات معنى لا مغنى".
______________________________
1 لسان العرب، ابن منظور، ج7،ص 196، ط درا صادر، د.ت.
2 معجم اللغة، ابن فارس أحمد، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة.
3 تاريخ بغداد، 6/34، موقع الدرر السنية.
4 سورة عبس، 15
5 سورة الجمعة: 5
6 الغزالي، إحياء علوم الدين، ج2/ص 331 ، المكتبة المصرية.
7 ابن عربي، الإسفار عن نتائج الأسفار، ص 2.
8 م.ن.ص.4.
9 الطوسي، اللمع، مكتبة الثقافة العربية.
10 ابن عربي، المعراج، ص 68، تحقيق سعاد الحكيم، ندرة للطباعة والنشر.

المؤلف: فتحي طالب

الفن والطفل

ربه على الفن طفلا...كي تعلي للإنسان صرحا
منذ أن غادرت مقاعد الإعدادي وانتهت دروس مادة التربية التشكيلية لا أذكر يوما أنني أمسكت فرشاة وخلطت الألوان. لا أعرف السبب فقد يكون قصورا حسيا في هذا الجانب الإبداعي إما لسبب ذاتي أو لقناعة ترسخت عندي بآرتباطه بمادة دراسية منتهية لم تحمل في رأيي عناصر بيداغوجية تحفز التلميذ لتنمية حسه ورؤيته الفنية فكانت مقتصرة على عدد متدن يسند بناء على موضوع لا يخلو من الطلاسم.

أذكر أنني لم أكن أحب الحصة لأن الأستاذة كانت تحملها مالا تحتمله من جو متشنج ومشحون بينها وبين تلاميذها. كما أذكر أنني كلما اعتقدت أنني فككت أحجية المعطى وفهمت المطلوب ورسمت على أساسه فإنني لم أكن أحصل على عدد يناهز الخمسة من عشرين. بينما إذا أنا تجاهلته وشرعت أعبث بالألوان وحركتها على الورقة فإنني لم أكن أتفاجؤ بعدد يقل عن خمسة عشر.

أصبحت اليوم أعتقد في ثلاثة أمور تتعلق بإدراج مثل هذه الفنون في البرامج التعليمية للناشئة:
الأول هو تعزيز الجانب النظري للفن ولقيمة دوره في إعلاء وبناء الإنسان وإلقاء الضوء أكثر على منارات الإبداع وقاماته في العالم لعل من خلالها تتجسد في وعي التلميذ شاكلة مختلفة عما ألفه من القدوات بحيث لا تصبح حصة التربية التشكيلية ضربا من أشغال تطبيقية لعنصر نظري مغمور ولا يفي بدوره التربوي وقد تنتهي بأن ينفر منها التلاميذ أو يأتونها كرها وإجبارا وهذا ماكنت ألاحظه.
والأمر الثاني هو ضرورة تغليب البعد التجريدي في ما يطلب من التلاميذ وأن تترك لهم مساحة واسعة من الحرية في تلك السن خصوصا لكي يفترشوا اللوحة مهادا لما ستنضح به تعبيراتهم وما ستستنبطه أناملهم. فالفن رمز لكسر القيود وللتطلع في آفاق أرحب بكثير مما هو موجود محط النظر فلا داعي لأن نحد من هذه الإنطلاقة لديهم تحت مسميات علمية.
أما لأمر الثالث فهو التخلي عن البعد التقييمي للأعمال التي سترى النور خلال تلك المرحلة... كل عمل يولد عن الطفل هو إبداع فهو انعكاس وجداني عميق لمكنون لا يزال مادة خام وهو تعبير عن نوع مختلف من الذكاء يصقل وينمى بالتحفيز الإيجابي بعيدا عن منطق الأعداد.

وفي النهاية فإن لكل طفل خصوصيته في التعبير وفي الرؤية فلا يجب قولبة هذا الجانب عنده وتنميط حسه كي يستقيم مع معايير التقييم.
إن التلميذ الخاضع لمناهجنا التعليمية المقترنة بالتلقين والقياس أساسا في حاجة إلى متنفس يخرج به قليلا عن المألوف... فلتكن التربية الفنية هي ذاك المتنفس.

الصور المرفقة مع هذا المنشور وثقت بها عودة إلى الفرشاة والألوان من جديد عودة بدون معطى وبدون عدد. فكان من حسن حظي أنني شاركت الصغار في #فريق_الطفل_المبدع فسحتهم الفنية الحرة.
وكنت سعيدة للغاية مثلهم بالنتيجة التي آنتهيت إليها لعل التقنية لم أستحسنها كثيرا لكن تجربة خلط الألوان والإضافات والانتقال بين مستوياتها كانت جميلة ولعل فيها محاكاة لفلسفة الحياة نفسها.

المؤلف: رحاب طاوس

الخميس، 27 أغسطس 2015

الكمال

تتخلل صفة الكمال أذهان العديد، حيث يعيش الشخص المثالية في حياته بمعنى أنه يحاول دائما القيام بعمله على أكمل وجه أي بشكل مثالي جدا. على سبيل المثال يغضب هذا النوع من الأشخاص عندما يتحصل على 19 من 20 في امتحان ما، الغضب ناتج  عن اعتقاده في نفسه أنه شخص لا يستحق ما يؤدي إلى خيبة الأمل، لذا فهو دائم التطلع إلى معالي الأمور وأسمى القيم والمعارف التي تحقق له صفة الكمال وتجعله يسمو بذاته.
فيمكن القول بأن سعي الشخص نحو الكمال شيء إيجابي حيث أنه يساعد على إحداث التوازن بين الجانبين المادي والروحي في شخصية الإنسان عندما يبلغ الفرد مستوى الكمال نظرا لوجود صراع داخلي دائم ومستمر بين متطلبات الجانبين لها. وقد لا ينجح المرء في مسعاه نحو الكمال، بل قد يضعف أحيانا نظرا للمثيرات الاجتماعية والحياتية.
فهل بإمكان الفرد أن يتخلى عن نمط من حالته المزاجية في سبيل الكمال؟ لا فهذا صعب جدا حسب ما تحكمه الظروف المعيشية، صعب أن يستطيع الفرد التخلي عن أي من الأنماط الأربعة من حالته المزاجية والتي هي الاكتئابي، الحماسي، العدواني، واللامبالي.
بينما الشخص الواثق من نفسه تماما هو الذي لا بد أن يعلم أنه لن يصل إلى لكمال بل سيبقى يسعى لتحقيقه قدر المستطاع.
كما يوجد من الأشخاص من لا يسعى أبدا وذلك لا يعد شيئا إيجابيا، فهو ربما يطغى عليه عدم الثقة في النفس أو الشعور بالنقص بينما أنه قضية حياتية ملازمة لواقع الإنسان فهو دافع نفسي مثالي يؤدي به إلى التوازن في شخصيته وكي لا يبقى في قوقعة الأنا ولا يطلق عنان خياله في أجواء الأحلام، بل هذا يساعده على السعي المستمر نحو تحقيق الكمال وعدم المكوث في ظلام الوعي.

المؤلف: هاجر المكاري

الاثنين، 24 أغسطس 2015

هل للحَمَّار عزيمة!

- من أنت؟ ماذا تكون؟ ماذا تنوي أن تفعل؟ ما هو هدفك؟ لماذا تعيش؟ ماذا قدمت؟ ماذا ستقدم؟
- مهلا مهلا مهلا.. هل تحاول أن تكلمني في التنمية البشرية؟... توقف تريد أن تأخذ مالي لن أنصت إليك!!
- لا، أبدا، فأنا مثلك كنت أعيش بلا هدف ولا معنى، كنت أعيش لأعيش فقط، أو ربما لأحصل على سيارة فخمة ومنزل راق وأموال... هكذا علمونا معنى النجاح الحياة، إلى جاء أحدهم يلبس طقما جديدا وقال لي هلا سمعت مني فإن أعجبك ما قلت طبق وإن لم يعجبك فانصرف عنه، فقلت والله لقد أنصفت هات ما عندك، فقال: 
- كان هنالك ثلاثة من الشباب يعملون حمّارِين، يحملون البضائع للناس من الأسواق إلى البيوت على الحمير- وفي ليلة من الليال وبعد يوم من العمل الشاق، قال أحدهم واسمه "محمد " افترضنا أني صرت خليفة.. فماذا تتمنيان؟ فقالا يا محمد إن هذا غير ممكن. فقال: افترضا جدلاً أني خليفة.. فقال أحدهم هذا محال وقال الآخر يا محمد أنت تصلح حمّار أما الخليفة فيختلف عنك كثيراً.. قال محمد قلت لكما افترضا جدلاً أني خليفة، فقال أحدهما: أريد حدائق غنّاء، -وماذا بعد؟- قال الرجل: إسطبلاً من الخيل، -وماذا بعد؟- قال الرجل: أريد مائة جارية.. -وماذا بعد أيها الرجل؟- قال مائة ألف دينار ذهب، -ثم ماذا بعد؟- يكفي ذلك يا أمير المؤمنين، وقال الرجل الثاني: اسمع يا محمد إذا أصبحت خليفة فاجعلني على حمار ووجِّه وجهي إلى الوراء ومُرْ مناديا يمشي معي في أزقة المدينة وينادي أيها الناس! أيها الناس! هذا دجال محتال من يمشي معه أو يحدثه أودعته السجن... وانتهى الحوار ونام الجميع.
-وانطلق محمد- (ابن أبي عامر) وعرف أن طريق الحمارة لن يوصله إلى الخلافة، فأدرك أن أول خطوة تكون بدخوله سلك الشرطة وترقى في عمله حتى أصبح رئيساً لقسم الشرطة في الدولة الأموية في الأندلس. ثم مات الخليفة الأموي وتولى الخلافة بعده ابنه هشام المؤيد بالله وعمره في ذلك الوقت عشر سنوات،  وأجمعوا على أن يجعلوا عليه وصياً ولكن خافوا أن يجعلوا عليه وصياً من بني أمية فيأخذ الملك منه.. فقرروا أن يكون مجموعة من الأوصياء من غير بني أمية، وتم الاختيار على محمد بن أبي عامر وابن أبي غالب والمصحفي، و استطاع في النهاية أن يتفرد صديقنا محمد بالسلطة وأصبح الخليفة... نعم الخليفة، ولُقِّبَ بالحاجب المنصور محمد بن أبي عامر.
و في يوم من الأيام، وبعد ثلاثين سنة من بيع الحمار، والحاجب المنصور يعتلي عرش الخلافة وحوله الفقهاء والأمراء والعلماء، تذكر صاحبيه الحمّاريْن، فأرسل أحد الجند وقال له: اذهب إلى مكان كذا فإذا وجدت رجلين صفتهما كذا وكذا فأتِ بهما، ووصل الجندي ووجد الرجلين بنفس الصفة وفي نفس المكا... العمل هو هو.. المقر هو هو.. المهارات هي هي.. بنفس العقلية حمّار منذ ثلاثين سنة، ووصلوا إلى القصر، دخلوا القصر نظرا إلى الخليفة.. قالا باستغراب إنه صاحبنا محمد... قال الحاجب المنصور: أعرفتماني؟ قالا نعم يا أمير المؤمنين، ولكن نخشى أنك لم تعرفنا، قال: بل عرفتكما، ثم نظر إلى الحاشية وقال: كنت أنا وهذين الرجلين سويا قبل ثلاثين سنة وكنا نعمل حمّارِين، وفي ليلة من الليالي جلسنا نتسامر فقلت لهما إذا كنت خليفة فماذا تتمنيان؟ فتمنيا ثم التفت إلى أحدهما وقال: ماذا تمنيت يا فلان؟ قال الرجل حدائق غنّاء، فقال الخليفة لك حديقة كذا وكذا. وماذا بعد قال الرجل: اسطبل من الخيل، قال الخليفة لك ذلك وماذا بعد؟ قال مائة جارية، قال الخليفة لك مائة من الجواري ثم ماذا؟ قال الرجل مائة ألف دينار ذهبا، قال: هو لك وماذا بعد؟ قال الرجل كفى يا أمير المؤمنين. قال الحاجب المنصور ولك راتب مقطوع -يعني بدون عمل- وتدخل عليّ بغير حجاب. ثم التفت إلى الآخر وقال له ماذا تمنيت؟ قال الرجل أعفِني يا أمير المؤمنين، قال: لا والله حتى تخبرهم قال الرجل: الصحبة يا أمير المؤمنين، قال حتى تخبرهم. فقال الرجل: قلت إن أصبحت خليفة فاجعلني على حمار واجعل وجهي إلى الوراء وأمُر مناديا ينادي في الناس أيها الناس هذا دجال محتال من يمشي معه أو يحدثه أودعته السجن. قال الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر افعلوا به ما تمنى حتى يعلم (أن الله على كل شيء قدير..).
نعم، واستطاع بتوكله على الله واستغلاله القدرات الكامنة التي منحه الله إياها أن يحقق أهدافه...
- مهلا عدنا للقدرات الكامنة، قلت لك لا للتنمية البشرية .
- عفوا لن أسميها تنمية بشرية بعد الآن، بل سمّها أنت ما شئت لكن خد المعنى ودعك من طقمي وأين درست.. والمعنى من هذه القصة هو أننا كلنا لدينا حمار يجب أن نبيعه.. هل تعلم ما هو هذا الحمار؟ إنها تلك القناعات التي يحملها الكثير من قبيل: لا أستطيع، لا أصلح، لست أهلاً ... الخ. ونقطة الإنطلاقة هي تحديد هدفك وحلمك والإيمان به، ثم التوكل على الله سبحانه وتعالى.
لا ليست تنمية بشرية.

المؤلف: عادل بن حمو

السياسة والسلوك الإنساني

تلعب السياسة دوراً مهماً في كل مجالات الحياة الإنسانية، وتخترق الحواجز الممنوعة، وترتبط بالسلوك الإنساني ارتباطاً وثيقاً. ذلك أن الإنسان هو السياسة والسياسة هي الإنسان. كما يقول المؤسس الأول لعلم السياسة، أرسطو، مخاطباً الإنسان: "إن لم تكن سياسيا فأنت أحد أمرين: إما أن تكون فوق السياسي (بمعنى إله) أو تكون تحت السياسي (بمعنى حيوان)". لذلك كان ارتباط السياسة بالبشر ارتباطا عضويا طبيعيا.
إنّ الفكر السياسي يُعدّ من الخصائص الملازمة للإنسان، فهو المخلوق ((السياسي)) الوحيد من بين المخلوقات الحية. إذ أن العديد من المخلوقات تحيا ضمن تجمعات تختلف درجة تنظيمها. لكن عند ملاحظة العلاقات السلوكية لمجتمع البشر، تبدو ظاهرة السيطرة كعلاقة غير متكافئة، فالإنسان وحده من يعرف السلطة في علاقاته الاجتماعية. وهو متغير ومتجدد بطبعه، والسياسة تتعامل مع التجديد والتغيير والإصلاح، وكما يصفها الدكتور حسن صعب في كتابه علم السياسة: "هي القيام بالأمر بما يصلح". والإصلاح يتطلب التغيير والتجديد، فلا سياسة إلا في تجمعات تتجدد. وبما أن السياسة تتعامل مع السلطة وليس السيطرة، وأن الإنسان يتعامل مع السلطة وليس السيطرة، وأن السلطة تتطور أما السيطرة فتتكرر، بذلك يكون الإنسان سياسيا بطبعه.

كما أن السياسة جزء من المجتمع الإنساني الذي هو عبارة عن مجموعة من الناس والأفكار والمشاعر والأنظمة، والسياسة شأن يخص المجتمع ويؤثر فيه، كما أنّ التعليم والاجتماع والإعلام والقانون والحرب والسلام والاقتصاد كلها أمور تهم الناس جميعا وتتأثر مباشرة بقرارات الحكومة وممارستها، بالتالي كل إنسان يتعامل مع هذه المجالات هو بلا شك يتعامل مع السياسة.

والسياسة كسلوك هي رعاية شؤون الفرد -الإنسان- والمجتمع، فكل من يهتم برعاية شؤون نفسه ومجتمعه هو سياسي أو على الأقل هو يمارس السياسة حتى وإن لم يكن صاحب منصب حكومي أو حزبي أو حركي.
وبذلك فإن السياسة تدخل في كل مجالات الحياة الإنسانية الفكرية منها والسلوكية، إذ لا مجال للإنسان أن يكون بعيدا عنها بأي شكل من الأشكال، فحتى محاولة إبعاد الآخر عن السياسة هو بحد ذاته ممارسة لها.

هذا فيما يخص السياسة المحلية، أما علاقة الإنسان بالسياسة الدولية، فهي وإن كانت أقل شأناً، إلا أنها مرتبطة به وهو مرتبط بها كذلك، ولو بشكل غير مباشر. فثمة توجه من قبل الإنسان لفهم أبعاد السياسات الخارجية للدول، بما أنها أصبحت تؤثر عليه بفعل التداخل في ارتباطات السياسة بين كل العالم، وذلك مع تسارع الأحداث في الساحة العالمية بشكل غير معهود من قبل، فما يحدث في مكان معين في العالم يؤثر في مكان آخر بشكل ما. بما أنّ السياسة في كل أنحاء العالم مرتبطة بالسياسة في كل أنحاء العالم. و كما يقول برجنسكي مبيناً اقتحام الإنسان لعالم السياسة: إن العالم اليوم يعيش ما أسماه "الصحوة السياسية العالمية".

إذن، فالإنسان سياسي بالفطرة، يميل إلى السياسة وتميل إليه، كلما ابتعد عنها اقتربت منه، وكلما اقترب منها ازدادت غموضاً، لكنه لا يستطيع العيش دونها لأنها مرتبطة بحياته بشكل مباشر أو غير مباشر.

المؤلف: مهند الراوي

التدين الجديد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلي الله عليه وسلم-
وبعد، فإن ظاهرة التدين الجديد قد اغتالت عقول الشباب، خاصة منهم أصحاب الطبقات العليا، وأثرت بدورها على الأوساط الإسلامية، واغتالت الدين في أصله...

الجماهير تميل بطبعها إلى من يسهل عليها أمر الدين ويجعله غير باهض التكاليف. و لعلّ ما نلاحظه من خطاب موسى عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم -بأن يطالب ربه بتخفيف الصلاة، وذلك لما عالجه من بني اسرائيل من قبل- ليس إلا دليلا على أن الجماهير تحتاج دينا يلبي لها مطالبها ولا يتنافي مع طموحاتها ولا شهواتها الدنيوية..
وإذا أضفنا لهذه الرغبة خوف هذه الجماهير على مصالحها ومتعها الدنيوية وميلها إلى الترف والدعة... فإن الأمر يكون أكد في أن تبحث هذه الجماهير على من يخفف عليهم هذا الدين ويزيح عنهم وطأته..

إنها -هذه الجماهير- لتجد بغيتها في هذا التيار الذي سمى نفسه بتيار التجديد، وتجد فيه ركنا تأوي إليه لتسهيل أحكام الدين بما لا يمنعهم أبدا من الانفتاح على الثقافة الغربية...
والشباب أنفسهم هم من اخترعوا لأنفسهم هذه الثقافة الجديدة التي سموها ظاهرة "الدعاة الجدد"، كنوع من الموضة وجدوا فيها منفذا للتنفيس عن احتياجاتهم الإنسانية المتناقضة...
لكن الخطاب الديني للدعاة الجدد لا يعدو أن يكون خطاب تلبية للاحتياجات الدينية للنخب والطبقات العليا، ومحاولة منهم لتقديم إسلام يحمل مواصفات خاصة لأبناء هذه الطبقة، بما يلبي رغبتها الحقيقية في التدين، وألا تحمل شعورا بالذنب تجاه وضعها الاجتماعي... هذا الدين صاحب المواصفات الخاصة لن تجده هذه الشرائح في خطاب الشيوخ التقليديين.
أمّا الأنظمة العلمانية فتشجع هذه الظاهرة الجديدة بشدة، باعتبارها ظاهرة لا تمس السياسة ولا ترى فيها مأربها. وفي تصريح لأحد هؤلاء الدعاة الجدد لصحيفة الشرق الأوسط يقول "إن الابتعاد عن السياسة كان سر نجاح هذه الظاهرة وما يميزها عن خطاب جماعات الإسلام السياسي الأخذ في الأفول، كما أن التدين الجديد، ذو الطابع المتعَوْلم، دائما ما يترعرع بعيدا عن الأوساط السياسية"..

إن الدول الغربية تدرك هذه الحقيقة، وتستعملها في خدمة أغراضها ومطامعها. فعقب أحداث 11 سبتمبر، في ظل فشل الخطاب الديني الرسمي، المتمثل في الأزهر في مصر، وفي ظل زيادة إقبال الناس على التدين وتصدُّر العلماء والدعاة بخطاب إسلامي علمي مؤصل وفقه للواقع وتقديم رؤية شاملة للإصلاح السياسي، تقوم على أساس الدين الصحيح... هذا الأمر الذي يهدد مستقبل الأنظمة العلمانية في هذه البلدان... اتجهت الأنظمة العربية إلى صياغة بديل قادر على حرف مسار التيار، وكان هذا التيار متمثلا في هؤلاء الدعاة الجدد. 

إن مجرد الاختلاط بهذه الأوساط الدعوية ولمس تصرفها في الواقع، يجعل المرء ولأول وهلة لا يرى كثيرا فرق بينه وبين الذين يمارسون حياتهم دون رقيب من الدين..
ثمة رخص ملحوظ على سلوكياتهم (فتيات يضعن المكياج - ملابس ضيقة - التعطر والنمص - سماع موسيقى - متابعة الأفلام في السينما العربية والغربية...).
إنهم يدعون إلى نشر ثقافة التسامح مع الكفار والمبتدعة بشكل يمس ثوابت الدين ويتجاوز الحدود الشرعية في معاملة أهل الكتاب...
وهذا مجتمع يجمع بين المتناقضات في شكل لا يستساغ أبدا، إذ يجعل من الشخصية المتدينة تذهب للشواطئ في حضور النساء والعري، ويسوغ ذلك عنده بأدلته المزعومة... تجعل منه شخصية ترى التمثيل فنا تدعو إليه الديانة وتشجعه.

لكن هذا التجديد في الدين وتطويع الـحكام حسب الرغبات وحسب الرائج، هو مفهوم ينافي مقصد الديانة من "تحديث الناس على قدر عقولهم". فإن التطويع الدائم لأحكام الدين وثوابته تجعلنا، في النهاية، أمام دين جديد قابل للتغيير ولتجديد والتعديل حسب أهواء الناس المتناقضة والمتغايرة وحسب سياسات البلد التي تسيطر.

هذه دعوة تقدم للشباب وجبة شهية من (الدين اللذيذ) دون (التكليف المرّ). إنه دين لا شوك فيه.
نحن أمام دين "نيولوك"... ربما يظهر بشكل أكثر أناقة إذا استمر الوضع. أمام نوع فريد من الدعاة الجدد الذين يمثلون الطبعة الإسلامية الليبرالية الجديدة.
-يتبع-

المؤلف: عبدالله مصطفى

التوظيف الخاطئ للدين

صحيح ليس الإسلام كالكنيسة، لكن التاريخ يثبت تشابههما في سوء التطبيق.
في المسيحية طمع رجال الدين في السياسة، وفي الإسلام أدخل الساسة الدين لتلبية مصالحهم وللوصول إلى السلطة.
وهذا التوظيف الخاطئ للدين في كلا التجربتين تسبب في صراعات خطيرة وانقسمات طائفية كبيرة، واستعمل فيهما التعذيب والاغتيال ضد الخصوم، وغرق الحكام في الشهوات والترف..
مشكلتنا اليوم، وطيلة قرون خلت، أننا عوض أن نهتم بالتقدم والتطور، ظلت أعناقنا ملويّة للوراء، ونسعّر نيران الفرقة بتذكير عبر عضنا البعض بحوادث قديمة لا نستطيع الوثوق حتّى في كتب التاريخ التي نقلتها..
يا ناس لن يسألنا الله يوم الحساب عن رأينا في الطائفة الفلاني أو القائد الفلاني ولكن سيسألنا عن تعاملنا نحن مع #القرآن وعن أخلاقنا مع العالمين وعن كيفية استغلالنا لنعمه...
لماذا يتقدم الآخرون للأمام، ووحدها الأمة العربية تسير للخلف!؟؟؟؟

المؤلف: مريم الشول

السبت، 22 أغسطس 2015

المهنة بين السياسة والطب


دائماً ما يقال بأن السياسة عبارة عن كلام لا فائدة منه وأن دراسة العلوم السياسية لا تجدي نفعاً لأنها مجرّد كلام يخلو من التطبيق، ومن الأفضل إلغاء هذه الكليات (العلوم السياسية) والاتجاه بدلاً من ذلك إلى كليات الشُعب التطبيقية كالرياضيات والطب لأنها أكثر فائدةً للإنسان وقد أثبتت نجاحها.

وهذه نظرة سطحية جداً للأمور، لها زاوية واحدة ضيقة جداً، لأن الذين يتهمون العلوم السياسية بعدم الفائدة هم أصلاً ليسوا مختصين في العلوم السياسية والقاعدة الفكرية تقول (فاقد الشيء لا يعطيه)، فضلاً عن أنهم ينظرون إلى السياسية من خلال ما يحدث على أرض الواقع من فشل سياسي. وهذا صحيح إلى حد ما! لكن في نفس الوقت الفشل في تطبيق الاختصاص لا يعني أن الاختصاص فاشل، وليس مدعاة إلى إلغاء الاختصاص ككلّ، لأن الطبيب عندما يفشل في عملية جراحية معينة فهذا لا يدعو إلى إلغاء اختصاص الطب بسبب فشل بعض الأطباء في التطبيق وإنما الفشل من الطبيب نفسه.
وكذلك الحال بالنسبة للعلوم السياسية فإن الفشل السياسي على أرض الواقع ليس حجة لإلغاء هذا الاختصاص أو اتهامه بأن لا فائدة تُرجى منه، فالخلل في التطبيق وليس في الاختصاص. والسؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة لهؤلاء السياسيين: هل هم خريجو علوم سياسية؟ والجواب أن أغلبهم لم يتخرجوا من جامعات ومعاهد العلوم السياسية، ناهيك عن أن أغلبهم ليس لديهم شهادات أصلاً! وهل تعتقد أن لديهم مستشارين سياسيين بالمعنى الحقيقي للمستشار السياسي الذي درس العلوم السياسية؟ بالطبع الجواب لا! إذ أنهم لا يعرفون ((ألف باء)) السياسة أصلاً! فضلاً عن أن الكثيرين الذين يُدرّسون العلوم السياسية هم أصلاً غير مختصين في العلوم السياسية. والذي يُدرس في غير اختصاصه هو كالذي ليس لديه اختصاص أصلاً لأنه كما قلنا (فاقد الشيء لا يعطيه).

وعليه، فكما أن الطبيب لا يستطيع أن يمارس الطب وإجراء العمليات الجراحية إلا بعد أن يدرس الطب ويقوم بعمليات تجريبية، وإذا ما أتى شخص وحاول أن يمارس الطب دون أن يدرس الطب فإنه سيتسبب بمقتل الناس. فالإنسان عندما يتمرض يذهب إلى الطبيب وكذلك الذي يريد أن يبني بيتاً يذهب إلى مهندس. فمن باب أولى أن الذي يريد أن يمارس السياسة يجب عليه أن يدرس السياسة أو على الأقل أن يكون لديه مستشارون متخصصون، لأن مهنة السياسة هي أخطر مهنة عرفها الإنسان، والذي لا يجيد هذه المهنة من الممكن أن يتسبب في إيذاء الآخرين. فالطبيب إذا أخطأ في العملية الجراحية فإنه يتسبب بمقتل شخص واحد فقط، وإذا ما نجح في العملية الجراحية فإنه يكون قد أنقذ حياة إنسان واحد فقط. في حين أن الذي يمارس السياسة إذا أخطأ في العملية السياسية فإنه قد يتسبب بمقتل وذهاب شعب بأكمله، وكذلك في حال نجاحه في العملية السياسية فإنه سيكون قد أنقذ شعباً بأكمله وذهب به إلى برّ الأمان.

إذن فالعلوم السياسية، والسياسة بصورة عامة، هي أهم وأخطر من أي اختصاص آخر، بما في ذلك اختصاص الطب. لذلك لابد من الاهتمام بالعلوم السياسية كونها من أهم العلوم التي تنهض بها الأمم والمجتمعات، فلو ألقينا نظرة إلى الدول المتقدمة وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي يوجد فيها أكثر من (50) عالم في السياسة وأكثر من (2500) مركز دراسات مختص في العلوم السياسة من مجموع (4000) مركز في جميع أنحاء العالم، سنجد أن اختصاص العلوم السياسية هو من أهم الاختصاصات التي تهتم بها هذه الدولة التي وصلت إلى مرتبة الدولة الأولى في العالم في كافة الاختصاصات، لأن كل تقدم في أي مجال يحتاج إلى قرار سياسي ناجح وناضج ورشيد. ولأن هذا الاختصاص هو الذي يقود الاختصاصات الأخرى من خلال أن صانع القرار الذي يجب أن يكون لديه إلمام كافي بالعلوم السياسية هو الذي يصنع النهضة إذا استطاع التعامل بحكمة سياسية في قيادة الدولة والمجتمع. فهلا اتعظنا واهتممنا بهذا الاختصاص الذي يكاد يكون قد انتهى من الناحية العملية في بلداننا العربية.

إذا كانت الرياضيات هي لغة الكون فإن السياسة هي لغة الانسان، وإذا كان الطب يعالج أفراداً فقط، فإن السياسة تعالج أمماً وشعوب.

المؤلف: مهند الراوي

التفكير المستقبلي

كان التفكير في المستقبل أحد أهم الهواجس التي شغلت فكر الإنسان منذ بداية ظهوره على سطح الأرض في العصور المبكرة جدا وخلال كل مراحل التاريخ. فقد كان تفكير الإنسان يرصد دائما الأحداث التي تدور حوله، ويعمل على استشراف التغيرات المستقبلية الناجمة في معظم الأحيان عن أنشطته هو نفسه، في مختلف مجالات الحياة، ويستعين بالمستجدات التي تلازم ظهور هذه التغيرات في إحداث تغيرات ومستجدات أخرى وهكذا.
إذ إن محاولات معرفة المستقبل، قديمة قدم الإنسان ذاته، لكن الإشكاليات المطروحة في وقتنا الحاضر هي غموض المصطلحات والمفاهيم -مصدر كل خلط وتشويش في الطرح والشرح والتفسير. وحتى الآن ما زال الشك والتردد يخامر العديد من العلماء والباحثين، فيما يتعلق بفعالية الدراسات المستقبلية، وعملية استشراف المستقبل. وهل هو علم قائم بذاته، بالرغم من أنه مازال في مرحلة الطفولة؟

ما دام أن المستقبل ليس قدرا محتوما، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون صورة واحدة فريدة من نوعها. فأمام كل فرد، أو مجموعة، أو مدينة، أو مجتمع أو مجموعة من الدول أو حتى المجتمع الدولي برمته، في أي لحظة معطاة من تاريخهم ثمة احتمالات متعددة للمستقبل يتعين عليهم الكشف عنها ومحاولة رسم المعالم الأساسية لكل منها.

ضمن هذا الحيز كثير من الناس يبحثون عن عوامل معرفة الحاضر لرؤية وفهم وبناء المستقبل، على خلاف ما جاء به موضوع التنبؤ، كطرح تقليدي كلاسيكي يوصف أحيانا بأنه ينفصل عن الواقع المعاش. بالرغم من هذا يبقى التنظير للمستقبل هو العمل الذي يرتكز بالأساس على استيعاب ومعرفة الحاضر، ومن ثم، التوقع الآلي الذي يعني المعرفة العلمية للمستقبل، الذي يقوم علي المنطق الواحد، من معطيات ومعلومات إحصائية، توصف أحيانا بأنها محدودة - لماذا؟ لأن العملية ترتكز أساسا على الخيال، والتخيل، وآلية التصور.

وفي الوقت الحاضر ما أحوجنا نحن العرب في مؤسساتنا العلمية، وفى مراكز صنع القرار، أن نستخدم هذا المنهج فى دراساتنا وأبحاثنا، حتى نستطيع أن نحدد مساراتنا واتجاهاتنا، وحتى نتقي -قدر المستطاع- سلبيات ما نتعرض إليه فى حاضرنا.

إن العلاج الحقيقي هو أن نمأسِس هذا العلم، ونؤسس مراكز للبحوث والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية. وأن نفرض توظيف هذا العلم وتطبيقاته ممزوجاً بإرادة حقيقية صادقة، لكونه أفضل علاج مضاد للمشاريع اللحظية والآنية، وأنجع استرشاد لمشاريع مستقبلية لكافة أوجه الحياة، وكي تدوم إلى عقود زمنية قادمة تخدم أجيالا نحو مستقبل واعد.

إذ باتت الدراسات المستقبلية من الأولويات، بمعنى أنها صارت ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها؛ إذ لم تعد مجالاً من مجالات السجالات الفكرية أو الرفاهية الثقافية أو التسلية الذهنية فى الدول المتقدمة وحدها. بل إنها باتت ضرورية للدول كافة، على اختلاف حظوظها من التقدم أو التخلف ومن الغنى أو الفقر. وإن كانت تتطلب بالضرورة قدراً من الخيال والقدرة الذاتية على التصور المسبق لما هو غير موجود أو غير معروف الآن، إلا أن أنشطتها -على حد قول "إبراهيم عيسوي"- "تختلف نوعياً عن الأنشطة التى تقع في حقل الخيال العلمي أو فى ميدان التنجيم والرجم بالغيب".

ويفترض نشوء الطلب على هذا النوع من الدراسات وجود مجتمع أو على الأقل وسط اجتماعي واسع يقدر أهمية العلم، ويؤمن بالعقلانية، ويثمن ضرورة أن تقوم السياسة العامة على أساس من المعرفة الصحيحة بالواقع واحتمالات التطور في المستقبل، لذا فإنه يتيح للقائمين على هذه الدراسات كافة الظروف والتسهيلات التي تتيح لهم القيام بعملهم على خير وجه.
وسيأتي المستقبل حتما، فإما أن نصنعه بأنفسنا ونذهب إليه، وإما أن يصنعه لنا الآخرون ويأتينا جاهزا خارجاً عن إرادتنا.

المؤلف: مهند حميد الراوي

الوعي بالخديعة

تقول صديقتي أن بإمكاني الوثوق بها في كل شيء، وأن عليّ أن أفضفض عن همي ولا أكتمه فيضرني، تقول أن الحياة أجمل من أن نحزن ومن أن نتضايق لأسباب زائلة..
أحب صديقتي، صانعة بسمتي، وأحب طفولتها وبراءتها وحضنها الحنون الواسع،.
لم أخبر صديقتي أني كلما عرفت أكثر كلما صدمتني الحقيقة أكثر، لأننا عشنا ومازلنا نعيش تحت قبة الزيف والتحريف والطمس، لم أستطع أن أخبرها أننا نلبس جلابيب الأولين الذين سنّوا لنا مناهج حياة وتفكير مضبوطة ومحدودة ليست من الإسلام بشيء، لم أستطع لأنها قد لا تصدقني.. لأنها يجب أن تكتشف ذلك بنفسها..
تدرك صديقتي، أن أهلي إن علموا أن من أسباب همي ما أطالعه في الكتب سأحرم منها، لذلك هي تحاول في كل مرة إقناع نفسها وإقناعي بأنه متأتّى من مصدر آخر..
المطالعة تفتح آفاقا لا يسمح لك الواقع الممنهج بدخولها تحت مسمى الهرطقة والخروج عن الملة و..و..
صديقتي تعرف هذه الحقيقة، لكنها مثلي لا تجد الكلمات المعبرة عنها، فإنها، تلك المطالعات، أغلبها تنير العقل الذي أبَوْا إلا أن يحبسوه في ظلمة أفكارهم وحدها كأنهم استبدلوا دين الله بفهمهم فاستعبدوا الناس الذين خلقوا أحرارا!
أنا وصديقتي علمنا القرآن أن نتفكّر ولا نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، علمنا أن نأخذ ما وافق الفطرة ونترك ما خالفها.. أن "نتفكر" و"نتدبر" و"نعقل" لا أن نأخذ الأشياء مسلّمة دون تمحيص!
أنا وصديقتي تألمنا من ولولات مُقدّسي المفكرين ومقدّسي المشايخ والمفتين،... لا أحد مُقدّس، لا أحد معصوم، ولا تاريخ يمكن أن نثق به.. التاريخ تاريخ.. نطّلع عليه لمجرد أن نقرأ ما دوّنه الأوّلون ونحن لا نثق بما كتبوا فهو لم يسلم من التحريف، أليس المنتصر هو الذي يكتب التاريخ حسب هواه؟! ..
تقول صديقتي، أن حديثنا هذا لا يجدر به أن يكون منشورا في صفحتي، لأنه قد يلقى اعتراضا.. وإني أحب إن كنت على خطأ أن أعدّل المسار، ما نحن في الأرض إلا باحثون عن الحقيقة في متاهة من الانقسامات والصراعات والادعاءات والخديعة..

(ربي إني مسّني الضرُّ وأنت أرحم الراحمين)


المؤلف: مريم الشول

الجمعة، 21 أغسطس 2015

لذلكَ عليك أن تقرأ...

1- تقرأ لأنكَ تستطيع أن تقرأ: فكثير من الناس اليوم -حول العالم- يعانون من الأمية، فأنت حينما تقرأ فهذا يعني أنكَ تتميز بنعمة تملكها ولا تنتبه لها، بينما غيركَ يتمناها بل يتوسل لو امتلك جزءًا منها إلا أن الظروف حالت بينه وبين التعلم، لذلكَ عليكَ أن تقرأ.
2- فهم الماضي: الماضي ذهبَ ولن يعود إذ لا توجد وسيلة اليوم يمكن لها أن تعيد لنا الماضي سوى الكتاب، حينها نستحضر الماضي بقراءة كتب التاريخ، عندها سنفهم الماضي ونفيد من تجاربه ونقتبس من قوانينه ونغوص في تفاصيله التي من الممكن أو يقيناً ستكون تجربة لنا من أجل تجنب أخطائه وبالتالي الاستفادة من ايجابياته، لذلكَ عليكَ أن تقرأ.
3- تغذية العقل: لكل شيء في حياتنا غذاء يتغذى عليه، فمثلما أن للجسد غذاء كالأكل والشرب، وللروح غذاء كالعبادة، كذلكَ للعقل غذاء أيضاً ألا وهو القراءة، ومثلما أن الجسد يموت أو يمرض بانقطاعه عن الأكل، والروح كذلكَ تقلق بانقطاعها عن العبادة، كذلكَ الحال بالنسبة للعقل، فهو الآخر يتلف ويذبل، وقد يموت أحياناً بانقطاعه عن القراءة، فالقراءة هي حياة العقل، فأنت تقرأ من أجل أن يحيا عقلكَ... لذلكَ عليكَ أن تقرأ.
4- لقاء أناس يصعب عليكَ اللقاء بهم أو يكاد يكون مستحيلا لقاؤهم: خاصة الذين ماتوا، فقراءة الكتاب تجعلكَ تلتقي بمفكرين وكتَاب وتجالسهم بأفكارهم وتحاورهم في آرائهم وتناقشهم في طروحاتهم وتؤيد أو تنتقد نظرياتهم، وكذلكَ الحال بالنسبة للشعراء والأدباء والساسيين والقادة والعظماء في كل مجالات الحياة، وذلكَ من أجل أن تستفيد منهم وتنهل من خبرتهم وتجاربهم وتكون تلميذا بين أياديهم، عسى أن تكون عظيماً مثلهم في يوم من الأيام، فالتلميذ الذكي من الممكن أن يكون كأستاذه وقد يفوقه، لذلكَ عليكَ أن تقرأ.
5- من أجل التخطيط للمستقبل: كُن على يقين أن باستطاعتكَ أن تصنع مستقبلكَ وحتى مستقبل الآخرين، مثلما استطاع غيركَ أن يصنع مستقبله ومستقبل دولته وأمته، وهذا لا يأتي إلا من خلال القراءة وخاصة الكتب التي تهتم بالتخطيط الاستراتيجي والدراسات المستقبلية، فالمستقبل مجهول لمن يعيش في الماضي فقط، لكنه معلوم لمن يذهب إليه، وغامض لمن يخافه، لكنه واضح لمن يقتحمه، فالمستقبل صناعة بشرية وليس قدرا محتوما، لذلكَ عليكَ أن تقرأ...
6- المتعة في أوقات الفراغ : صدقَ من قال : ((وخيرُ جليسٍ في الانامِ كتاب)) فهو الجليس الذي لا يُمل منه، والقراءة هي المتعة الأجمل في الحياة التي كلما انتهيتَ من كتاب تتمنى لو أنه لم ينته من شدة استمتاعكَ به، إذ كلما انتهيتُ من كتاب شعرتُ بالاغتراب، فإذا أردتَ أن تكون رفيقاً للمتعة في حياتكَ فما عليكَ إلا أن يكون الكتاب رفيقكَ أينما حللت أو ارتحلتْ، فالقراءة تزيد حياتكَ متعةً وبهاءً، لذلكَ عليكَ أن تقرأ.
7- من أجل الإبداع : كل الأشياء العظيمة التي تشاهدها حولكَ الآن والتي كانت في الماضي أو حتى التي ستكون في المستقبل فإن أصلها فكرة بسيطة وجدت في عقل إنسان ثم دونتْ في ورقة ثم في كتاب، ثم أصبحت شيئاً عظيماً حينما خرجتْ للواقع، لذا فأن كل الافكار العظيمة ستجدها بين صفحات الكتب، وحينما تقرأ عن الأفكار العظيمة يقيناً ستنتج أفكاراً عظيمة وتبدع بها، فأول طرق الإبداع هي القراءة... لذلكَ عليكَ أن تقرأ.
8- اقرأ لكي تكتب... سيأتي يوم من الأيام تكتب خلاصة التجارب التي استفدتها من القراءة... ستكتب ما تعلمته من التنقيب بين صفحات الكتب... ستكتب لأنه سيأتي بعدكَ الآخرون يقرؤون ما كتبته. لذلكَ عليكَ أن تقرأ.
9- لأنه أريد أن يكون لي بصمة في الحياة ... لكي يكون لأسمي مكانته بعد أن يموت جسدي... فكثير من الناس اليوم ماتوا أجساداً لكن أسمائهم لم تمتْ وإنما خُلدتْ بسبب الانجازات التي تركوها خلفهم... وتلكَ الانجازات لم تكن موجودة لو لا القراءة والتعلم. لذا عليك أن تقرأ...
10- لأني طموح وعندي أهداف وغايات في الحياة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال القراءة والتعلم وبذل المزيد من الجهد... لذا عليك أن تقرأ...
11- لكي أدخل في قول الله تعالى: ((هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون))... لذا فإن الله سبحانه وتعالى قد ميز الذين يعلمون عن الذين لا يعلمون... وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((فضل العالم على الجاهل كفضلي على أدناكم)) لذا عليك أن تقرأ...
12- لأن أول أمر في الإسلام هو إقرأ... وهو أمر على الوجوب كما يقول العلماء... أي على كل مسلم أن يقرأ مثلما يصلي ويصوم... وكما يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله : ((لو كانت هناك كلمة أفضل من إقرأ لبدأ الله بها الوحي)) لأنها الكلمة التي تقام بها الأمم وتبنى بها الدول وترتقي من خلالها الحضارات. لذا عليك أن تقرأ...
13- عمري محدود بزمن معين... لذا فإن القراءة تعطيني عمراً ثانياً بل أعماراً أعيشها بين صفحات الكتب... أقلب صفحات التاريخ كي أفهم الحاضر من أجل بناء المستقبل. لذا عليك أن تقرأ...
14- سأموت... لكن الكتاب الذي أقرأه لن يموت بموتي... والكتاب الذي سأكتبه لن يموت بموتي... بل سيحيا بعد موتي... وسيكون ظلي في الارض من بعدي. لذا عليك أن تقرأ... 
15- أقرأ لأحيا... لأن العقل سيموت إذا لم أقرأ... فغذاء العقل هي القراءة... لذا عليك أن تقرأ...
16- إقرأ لأن هناك حياة أجمل بين صفحات الكتب تغني عن حياة الناس. لذا عليك أن تقرأ..
17- إقرأ من أجل أن تكون عظيماً... فالعظمة ليست فقط للفاتحين ... أحياناً يكون فتح كتاب أفضل وأنفع من فتح البلدان... لأن من يعجز عن فتح الكتب سيعجز عن فتح البلدان... وحتى إن استطاع فتح البلدان دون فتح الكتب... فإن معاملته للبلد الذي سيفتح ستكون مختلفة. إذ كلما كان أكثر قراءةً وأكثر اطلاعاً كلما كان أقدر على التعامل بعقلية حضارية مع سكان البلد التي سيفتحها... ومن هنا تكمن عظمة الإنسان في فتح الكتاب. لذا عليك أن تقرأ...
18- إقرأ من أجل توسيع العقل... كلما قرأ الانسان كلما توسع عقله... فعقل الإنسان مثل الجسد ينمو ويكبر... وكلما كانت التغذية جيدة كلما كان النمو أفضل وأسرع... لذا فإن غذاء العقل هو القراءة والمعرفة. لذا عليك أن تقرأ...
19- إقرأ من أجل الشهرة... من يقرأ أكثر يكون أكثر قدرة على الشهرة وتسويق الذات. لذا عليك أن تقرأ...
20- القراءة تجعلك مميزا عن الآخرين... فالذي يقرأ يستطيع أن يفهم الحياة أكثر من الآخرين وبالتالي سيكون متقدماً على أقرانه في المجتمع الذي يعيش فيه... إذ من المستحيل أن يساوي المجتمع بين من يقرأ ومن لا يعرف القراءة أو أنه يعرف القراءة لكنه لا يقرأ... لذا عليك أن تقرأ...
21- القراءة تجعل منكَ مثقفاً... والثقافة تجعلك إنساناً مختلفاً عن الآخرين، أكثر تميزاً... لذا عليك أن تقرأ...
22- القراءة تجعلكَ أكثر وعياً... لأن الوعي يأتي بنوعية المعلومات التي تقرأها... في البداية النوعية لا تهم وإنما هي الكمية... فالكمية حتماً ستؤدي إلى النوعية وبالتالي إلى الوعي الفكري... لذا عليك أن تقرأ...
23- القراءة تجعلك أكثر معرفة... أكثر المعلومات التي يمكن أن يحصل عليها الإنسان والتي من الممكن أن تغير حياته هي من الكتاب... الكتاب هو أساس المعرفة الحقيقية... لأن بقية وسائل المعرفة لا تعطيك العلم بقدر ما تعطيك معلومات عابرة... أما الكتاب فهو الوحيد القادر على إعطائك المعلومة وبالتالي العلم والمعرفة... لذا عليك أن تقرأ...
24- القراءة هي أساس النهضة الحديثة في هذا العصر... إن سلاح المستقبل هو العلم... لذا إن أردت أن تكون قوياً في المستقبل ومحصناً من كل ما يحيط بك... ما عليك إلا أن تتسلح بسلاح العلم... لذا عليك أن تقرأ...
25- القراءة تعطيكَ الأمل في الحياة... إذ أن مثبطات الحياة كثيرة... لكن يأتي الكتاب ليعطيك الأمل في التغيير والعمل الجاد من أجل مستقبل أفضل... أحياناً كتاب واحد قد يغير حياتك إلى الأفضل... لذا عليك أن تقرأ...
26- القراءة تعطيكَ الهمة... وتبعد عنكَ الكسل... لأنك حينما تقرأ حتماً ستعيش مع أصحاب الهمم العالية... فالكسولون لا يفتحون الكتب ولا يرقدون فيها وإنما في الفراش... لذا عليك أن تقرأ...
27- القراءة هي مفتاح النجاح... كلما قرأت أكثر كلما ارتقيت في سلم النجاح... فكلمة فوق كلمة تكون جملة... وجملة مع جملة تكون فقرة... وفقرة مع فقرة تكون صفحة... وصفحة مع صفحة تكون فصلا... وفصل مع فصل يكون كتابا... وكتاب مع كتاب يكون نجاحا. لذا عليك أن تقرأ...
28- القراءة حياة... لكي تكون إنسانا يفهم الحياة يجب أن تكون القراءة حياة... لأن هناك أشياء لن يخبرك بها أحد ولن تعلمها لك الحياة مهما مررت بتجاربها... ولن تجدها سوى في الكتب... لذا عليك أن تقرأ...
29- القراءة ليست هواية... يجب أن لا تنظر إلى القراءة على أنها مجرد هواية... لأن الهوايات نقوم بها من أجل قتل الفراغ بمعنى أنها شيء ثانوي في حياتنا وليست أساسيا... أما القراءة فيجب أن تكون منهج حياة.
30- القراءة ليست ترفا فكريا وإنما هي ضرورة حياتية... مثلما أن الجسد يبلى حينما ينقطع الانسان عن الاكل... كذلك العقل يضمر ويتلف وقد يموت في حال انقطاعه عن القراءة... لذا عليك أن تقرأ.
31- القراءة تجعلك أكثر قدرة على فهم مشاعر الآخرين... اذ اثبتت الدراسات أن الإنسان كلما كان يقرأ أكثر في حياته كلما أصبح يفهم مشاعر الآخرين من حوله بسهولة وهدوء حتى وإن كانت قراءته في مواضيع عشوائية، فالشخص الذي يحب المطالعة والقراءة يكون أكثر عقلانية في أفعاله ويلتزم بالحكمة والصمت في العديد من المواقف.
32- القراءة تعني الحرية... الذين يقرأون يميلون إلى تبني الحرية ومواجهة الظلم والظالمين والمستبدين ومواجهة الأنظمة الدكتاتورية والقمعية لأنهم أكثر الناس وعياً بما يدور في رؤسهم وما يحاك من مؤامرات ضد الشعوب... لذا فهم الأقدر على كشف عورات الحكام وتعريتهم أمام شعوبهم... إذ أن الشعوب التي تقرأ من الصعب أن يتحكم فيها الطغاة
33- القراءة تجعلك تركز على الحل أكثر من التركيز على المشكلة... لأنه بالتأكيد أنك قرأت من قبل أو ستقرأ في المستقبل عن حلول وتجارب لآخرين قد وقعوا في نفس المشكلة التي وقعت فيها.
34- القراءة تجعلك تختار الأصدقاء الإيجابيين المحيطين بك... وفي هذه الحالة سيكون لديك مجموعة من الأصدقاء القراءة أيضاً مثلكَ تماماً... وهذا سيجعلك أكثر إيجابية في الحياة لأنهم سيكونون على درجة عالية من الثقافة في الحياة وبالتالي فإن نقاشاتكم وحواراتكم ستكون ذات فكر راقي ومستنير ونهضوي...
35- القراءة تجعلك أكثر إيجابية وأقل سلبية... لأنك حتماً ستعيش مع العظماء... كُن على يقين أن من يقرأ فهو أحد ثلاثة أمور: إما أن يكون عظيماً... أو أنه سيكون يوماً ما عظيماً... أو أنه يقرأ لعظيم... لذا عليك أن تقرأ...
36- مهما قيدوك يبقى الكتاب يعطيك حرية لن تجدها في أي مكان آخر في هذا العالم... وأخيراً... إقرأ لأنك تريد أن تقرأ... إقرأ ... وكُن على يقين أن القراءة ستغير حياتك إلى الأفضل... ما عليك سوى أن تفتح الكتاب وتبدأ بالقراءة. القراءة حياة.
المؤلف: مهند الراوي

الحسد، حقيقته (ومن شر حاسد إذا حسد)

مما هو معروف من تعريف العلماء للحسد أنه تمنِّ زوال النعمة عن الغير. فمن التعريف يُفهم أن الحسد هو تمنٍّ فقط، فما هو تفسير {[ومن شر حاسد إذا حسد]}؟؟
إن الحسد يُحدث تفاعلات في نفسية الإنسان تدفعه لمحاوله أذى المحسود وبهذه الحالة يكون شر الحاسد هو الفعل (أو شر يدفعه للفعل) الذي يقوم به في محاولة لأذى الشخص المحسود كالتآمر عليه، وليس الشر عن طريق العين التي تدمر وتحطم بمجرد استخدامها.
وسأسرد هنا قصتين من القرآن يحفظهما الجميع:
1- قصة نبي الله يوسف عليه السلام مع إخوته التي ابتدأت بالحسد وانتهت بالأفعال الشنيعة: حسد إخوة يوسف جعلهم يرمون به في الجب بعد تراجعهم عن قتله. لماذا لم يكن هناك تأثير لعين أو لنظرة خارقه في هذا الحسد، لماذا لم نرَ سوى تأثير الأفعال؟
كان الأسهل على إخوة يوسف أن يحسدوا أخاهم بأعينهم، أليست "العين حق"، و"لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين"، و"العين حق لتورد الرجل القبر والجمل القدر"، فما الذي منع حدوث شيء ليوسف من العين؟ أم أن المقصود بشر الحاسد هو شر أفعاله؟
قال تعالى: {[إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ * قَالَ يَابُنَىَّ لا تَقْصُصْ رء يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ]}. (يوسف –4 ، 5)
2- قصة ابنيْ آدم عليه السلام: إن كان قابيل قد حسد هابيل، فلماذا لم يُذكر شيء عن تأثير الحسد؟ لم يذكر القرآن سوى ذلك الفعل الشنيع -القتل- الذي جاء بتأثير الحسد؟
قال تعالى: {[إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الأخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ]} (المائدة: 27).

هذه الأمثلة القرآنية تُفهمنا أن شر الحاسد المذكور في الآية هو شر أفعاله، وليس كما أفهمونا أن المقصود من الآية شر العين الحاسدة.
في قوله تعالى {[ومن شر حاسد إذا حسد]}، فقد نسب الله الشر إلى الحاسد لا إلى الحسد نفسه. وكما قلنا فإن المقصود بالشر هنا شر الأفعال لذلك فإن الحسد يؤثر على نفسية الحاسد فيؤذي المحسود.
وأورد هنا نص كلام الإمام الطاهر ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير في تفسير آية ومن شر حاسد إذا حسد:
((والحسد: إحساس نفساني مركب من استحسان نعمة في الغير مع تمني زوالها عنه لأجل غيرة على اختصاص الغير بتلك الحالة أو على مشاركته الحاسد فيها.
فقد يغلب الحسد صبر الحاسد وأناته فيحمله على إيصال الأذى للمحسود بإتلاف أسباب نعمته أو إهلاكها رأسا. وقد كان الحسد أول أسباب الجنايات في الدنيا، إذ حسد أحد ابني آدم أخاه على أن قبل قربانه ولم يقبل قربان الآخر، كما قصه الله تعالى في سورة العقود.
وتقييد الاستعاذة من شره بوقت إذا حسد لأنه حينئذ يندفع إلى عمل الشر بالمحسود حين يجيش الحسد في نفسه فتتحرك له الحيل والنوايا لإلحاق الضر به.
ولما كان الحسد يستلزم كون المحسود في حالة حسنة، كثر في كلام العرب الكناية عن السيد بالمحسود، وبعكسه الكناية عن سيئ الحال بالحاسد، وعليه قول أبي الأسود:
حسدوا الفتى أن لم ينالوا سعيه      فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها      حسدا وبغضا إنه لمشوم
وقول بشار بن برد:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم     قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم        ومات أكثرنا غيظا بما يجد
إلى هنا ينتهي حديثنا عن الحسد دينيا وسنذكر ما يمكن أن نفسر به شيوع فكرة الحسد في ضوء علم الاجتماع.

إن مشاكل الحياة كمشاكل العمل والدراسة وغيرها تجعل الإنسان على استعداد تامّ للإيمان بشيء خارق يفسر له جميع مشاكله.
فالاعتقاد بأن هناك أشخاص يحسدون بمجرد نظرهم إلى الشيء ...الخ من الخرافات التي يصدقها الإنسان ما هي إلا أوهام.
إن حدوث بعض المشاكل للأشخاص الذين يخافون من الحسد ينطبق عليهم قانون الجذب الذي يقول: ما تفكر به يعود إليك من نفس النوع.
ويؤكد هذا المبدأ ما جاء عن الرسول الأكرم عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام بقوله: تفاءلوا بالخير تجدوه.
إن الاعتقاد الشائع لدى العوام عن الحسد ليس فيه قاعدة محددة، ولنفترض أنّ شخصا يخاف أن يُحسد إعجابا بإنجازاته، فعندما تحدث له مشكلة في العمل يقول أن فلان من الناس حسده فإن لم تحدث له مشكلة في العمل فإنه ينتظر حدوث أي مشكلة له في أي مجال في الحياة حتى يكون له حجة أينما حصل التأثير. كما أن موضوع الحسد ليس فيه قاعدة فيما يخص الوقت فربما يحدث آنيا أو بعد أيام أو شهور أو حتى سنين، لذلك خرافة الحسد دائما ناجحة لأننا يمكن أن نشكلها كيفما نشاء وبكل الحالات هي صحيحة بحسب الاعتقاد السائد عن الحسد.
ومن أسباب تصديق الناس للحسد هو تداول بعض القصص التي تؤكده والتي بسببها أصبح الاعتقاد الشائع والسائد بخصوص الحسد هو الذي نعرفه اليوم.
ونحن لا نجزم بأن كل هذه القصص كاذبة ومختلقه قد يكون بعضها صحيحا فيكون الموضوع ليس إلا صدفه تحدث في بعض المرات وبعضها الأخر مختلقا، والمشكلة أن جميع الناس يظنون أنهم محسودون في كل الأوقات، وفي بعض الأوقات تصدق توقعاتهم لأن الإنسان معرض للمشاكل في حياته وهذا أمر طبيعي، غير أنهم ينسون كل الأشياء التي لم يحسدوا عليها ويتذكرون ذلك القليل الذي كان حدوثه صدفه بحتة، لأن الاعتقاد بأنك محسود على الدوام سوف يصدق في بعض الأوقات عندما تحدث لك مشاكل (وهذا ليس أمرا غريبا بل هي سنة الحياة)، فإنك ستعتقد جازما بأن ما حصل كان بفعل الحسد، وليس أدل على صحة هذا الرأي من أن أغلب الأوقات لا يتحقق الاعتقاد بالحسد.
ذكر الأستاذ أحمد أمين في كتابة قصة الفلسفة الحديثة في الجزء الأول صفحة 64 قصة جميلة أن رجلا دخل إلى معبد فعرض عليه السدنة عشرات اللوحات التي علقها فيه من أنجاهم الله من الغرق استجابة لدعائهم ونذورهم ثم سُئل الرجل ألا يعترف بعد هذه الأدلة كلها بنفع النذور؟ فأجاب ولكن أين لوحات أولئك الذين غرقوا في البحر على الرغم من نذورهم؟
الآن وبعد كل ما ذُكر أود أن أسوق قصة شخصيةً حصلت معي وهي التي حملتني على التفكير في موضوع الحسد وتبني هذه الفكرة: حدث معي في إحدى المرات أن أحد أصدقائي قال لي أن عينه مدمِّرة وتحسد وجاء بدليل لإثبات حسده والدليل هو أنه قبل يومين رأى سيارة فأعجبته وما هي إلا دقائق وإذا بهذه السيارة تصطدم بأخرى فكانت هذه القصة هي دليله على أنه يحسد وفي نفس اللحظة تبادر إلى ذهني سؤال (خصوصا وأن هذا الشخص مولع بالسيارات وربما تعجبه يوميا خمسة سيارات كمعدل أي أنه في حياته أعجب بآلاف السيارات) لماذا يتم التركيز على سيارة واحدة اصطدمت من بين آلاف السيارات التي أعجبته من قبل، لماذا لا نستند إلى أنه شخص لا يحسد لأن سيارة واحدة فقط اصطدمت من بين آلاف السيارات؟ الجواب هو الفكرة السائدة عن الحسد.
فلا يوجد شيء اسمه عين وحسد يؤثر على المحسود ما هي إلا أوهام قمنا باختلاقها ربما لمواساة أنفسنا لفشلنا أو ربما بسبب حب الإنسان للخوارق والخرافات.

المؤلف: علي الهاشمي

الخميس، 20 أغسطس 2015

التدين الفلكلوري والمظهري.. بين استغلال اليسار واحتكار الإسلاميين

إن مسألة التدين هي جوهر الأطروحة الدينية حيث يلتزم داخلها الفرد بطقوس تعبدية بطريقة فردية أو جماعية تكون في علاقة عمودية مع الله. وجاء الدين الإسلامي الحنيف للعناية بجوهر رسالته وهي ترسيخ الوحدانية في قلوب البشر وبناء جميع أفعال البشر على قاعدة "لا إله إلا الله". فالتدين في لب معناه هو ما يحفظ به الإنسان علاقته بربه وما ينبني عليه تعامله مع الناس. ولذلك اعتنى النص التشريعي في الإسلام بالفرد ونظم مسألة إسلامه ثم أسس لمعنى إيمانه وصولاً إلى بلوغه درجة الإحسان وهي الدرجة الأعلى للتدين. وكل هذا الإهتمام بالفرد ينبني على وعي النص الشرعي والفقهي بحاجة الفرد للتدين الحقيقي ليعيش كما ينبغي.
       وعندما نبحث في نصوص التراث الإسلامي الفقهي والفكري نجد أن الفرد هو قطب الرحى التي تنبني عليه الأمة ولا يكون هذا الفرد بهذه المواصفات إلا إذا كان متديناً حقاً. وقد نلحظ في هذه المسألة أن النص القرآني والأثر النبوي إعتنى بكيفية ضمان هذا التدين للفرد، إذ ركز في مجمله على سريته وخفيته وتقلبه وجعل علمه لله دون غيره وأهميته تكمن في علم الله به فقط. وهذا ما يحيلنا على أن التدين هو مفهوم يخفى على الناس غايته هو علم الله به.

وقد شهدت هذه المسألة إخلالات مختلفة عند جميع مركبات المجتمعات العربية. فنجد أصحاب الفكر القومي واليساري الحداثي يستعمل هذا المفهوم لإضفاء شرعية روحية على نفسه وذلك عبر إحياء بعض المناسك الدينية بطريقة الفلكلور الشعبي، مثل زيارة أضرحة الأولياء الصالحين، وإحياء ليلة المولد النبوي بالأغاني الصوفية في شكل احتفال يبهر المتلقي، كما يتم استعمال التدين عندما يتناسب رأيهم مع النص الديني. أما التدين السلفي أصبح أشبه باللوحات الإشهارية، حيث يٌقيّم التدين عند "السلفية" عبر طول اللحية وتقصير الثوب وتغطية المرأة لوجهها، فصارت الفروع أصولاً والأصول فروعاً عندهم لينعدم المفهوم الروحي لقضية الإيمان وينحصر في لباس وشكل وفهم للنص الديني فقهاً لا عقيدةً جاء به أهل الظاهر كما عرفوا. أما الإسلاميون فأضحت المسألة لديهم عبارة عن وعاء يملأ بكل شي ويتم الأخذ منه في كل وقت وحين، حتى صار المنتسبون إليهم يجعلون من هذه المسألة أمراً سهل المنال لا تستحق تعب التعلم والعبادة، ليصل الأمر إلى تشييء هذا المفهوم عند بعضهم بعلمنته وإضفاء المادية عليه، وذلك عبر جعل التدين مجرد دعاء وأذكار تنشر على الحائط الإفتراضي في وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك للحصول على القدر الأعلى من الإعجابات ليصبح عند الناس محموداً، وهذا ما يعبر عنه بالتدين المظهري أو إسلام السوق الذي يصبح فيه التدين لوحة إشهارية للعموم لا علاقة سرية بين العبد وربه.
وهنا نستنتج أن مسألة التدين تم السطو على معناها وروحها وذلك بتفريغها من لبها والتجني عليها لضمان مكانة بين الناس لا تسمن ولا تغني من جوع. فخطاب النبوة كان موجه إلى القلب والسريرة والتقوى مكانها القلب والتوحيد مكانه القلب والأعمال والأفعال لا يعلم درجة قبولها وصحتها إلا الله، ولهذا كانت النية والإخلاص أس الأعمال لأنها هي من توجهها فأعظم عبادة عندنا هي الصلاة وهي فعل قائم على النية والإخلاص، وصلاحها يعني صلاح باقي الأعمال وهي علاقة عمودية بين الفرد وربه لا يمكن أن يكون فيها ثالث.
وما نلحظه اليوم هو غياب التدين الحقيقي لدى كثير من الناس جراء التخلي عن جوهره القائم على "إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة" وعلى أن "أول ما تسعر النار يوم القيامة بثلاث: عالم، ومجاهد، ومنفق كريم".

وبناء على هذا نخلص كون إبراز تديننا للناس وتقوانا وتصنيف الناس على هذا المنحى يعد جريمة في حق الإسلام، والذي نهانا على تصنيف الناس على أساس العبادة والورع، فالأحاديث جاءت عديدة في من تكثر عباداتهم وصلواتهم ولا يدخلون الجنة بسبب فساد قلوبهم وسريرتهم، فعلينا أن لا ننظر إلى صلاة أحد ولا صيامه ولا ما ينشره من أدعية وأذكار وإدعاء للمعرفة والعلم بل نقيس الناس بمقاييس أخرى ربما هي الأقرب للواقع، فنخلص أخيراً أن التدين الحقيقي يحتاج لعقول تفكر وقلوب تصدق وسواعد تعمل فما وصل إليه المجتمعات الإسلامية خاصةً اليوم وبعد غزو عالم ما بعد الحداثة لقيمهم وعلمنة روحانياتهم يعد ناقوس خطر على المحافظة على هذا الدين الحنيف عندهم، لذلك على كل المنتسبين إلى هذه المجتمعات إعادة هذا المفهوم الروحاني النقي إلى إطاره الفرداني الذاتي وعدم التدخل فيه من أي طرف كان إسلامياً أو غيره، وجعل التدين قوة ذاتية نبني عليها مجتمع وأمة لا لوحة إشهارية نحكم بها على الناس في إطار المزايدة والمحاصصة.

الأربعاء، 19 أغسطس 2015

حال العامة


نحن قوم طغت علينا "العادة" وتملكنا الــ لاوعي.. حتى اختلت مفاهيمنا.. وضاعت عنا قيمة الاختلاف والتميز.. فاستسلمنا للروتين والتكرار والاتباع والتقليد والنسخ المطابق للأصل.. والإستيلاب من عقولنا وهوياتنا.. لنذوب في الفكر الأوحد.. والنمط الأوحد.. والمثال الأوحد.. ليصير المرء منا مغتربا عن ذاته وخصوصياته، فاقدا لكينونته وسيادته..

إنه حال العامة من الناس!..

وقليلون هم أولئك الباحثون عن شعاع داخل الكهف ليقودهم نحو الخارج.. حيث يبصرون روعة وجمال العالم الحقيقي.. بفطرته.. ووضوحه.. وتناقضاته.. واختلافاته.. ليل يعقبه نهار.. جفاف يعقبه ارتواء.. ضيق تعقبه سعة.. فقر يعقبه غنى..

إنهم يلاحظون.. يؤشكلون.. يتساءلون.. يحللون.. ويفهمون..

وعندما يدركون، منهم من يعود ليأخد بأيادي العامة فيخرجهم من الظلمات إلى النور، ومنهم -للأسف- من ينسى أو يتناسى و يتعالى وأولئك أصابهم الكبر وغرهم علمهم ولحقهم عمى عن بقية الأمور..

المؤلف: مريم الشول

المرض الخبيث

لطالما نظرنا إليك بوجس، وجس أخفيناه بقهقهة اطمئنان. وأي اطمئنان لغول مثلك!
كانت تصلنا أخبارك من بعيد في أحاديث الأقربين وكنّا نستعيذ بالله منك.
واليوم!!!
اليوم صرنا نسأله اللطف في القضاء، وقد بطشت بيدك أيها متوحّش لتصيب أعز الناس إلى قلبي، بل إلى قلوبنا كلنا. كل العائلة.
لكأن زمان الاستخفاف بجبروتك قد ولّى، وكأن كل الهلع من ذكر اسمك لم يكن يكفي، وكأنك أردت أن تبرهن أنّك مارد مغترّ، ديمقراطي في عدلك بين فقير وغني وأبيض وأسود وجاهل ومتعلّم، لكن طاغيةٌ بأخذك أحب الناس إلينا.
جاء اليوم الذي ضحكت فيه أمامنا بقهقهتك التي تصمّ الأذان! ووقفنا شادهين، فاغري الأفواه، عاجزين عن ردّك أو صدّك أو اللامبالاة.
نهار ضاقت بنا فيه لظهورك الأرض بما رحُبت. ضاقت صدورنا. ضاقت نفوسنا. ابتلعنا جمرات شررك بصمت. راقبناها وهي تخترق حلوقنا لا يعرقلها شيء إلا أذابته.
وأنت تقف متفاخرا بأن لا سلاح يقهرك، وأن المجد لك وحدك. أي مجد!؟ كأنك غافل بأن من البشر علماء تمكنوا بفضل الله من تركيب الترياق الذي يقتلعك من أوصلك بكل ما اتخذته لنفسك من كبرياء وكيد وطغيان وتعالٍ!
لكنك تعرف أنه بعيد، وأنه نادرٌ وأنّه باهض وأنه لا سبيل للوصول إليه في الوقت المناسب.
..أيها العدوّ الجائر، لا تحسبّن النصر حليفك في النهاية.. إنك تعذب ضحاياك ببطئ وإنهم لإلى الله يتضرعون..
وحدهم الضعفاء يستسلمون، والأقوياء بالله ليس لك عليهم سلطان مهما عرضت من قدرات.
حسبنا الله ربّي وكفى.
"وإذا مرضتُ فهو يشفينِ".
المؤلف: مريم الشول

أمة منكوبة

أحمد الله حمدا كثيرا وأصلي وأسلم على من بعثه للعالمين بشيرا ونذيرا وأشهد أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله.
أما بعد إخواني وأخواتي فإن الله سبحانه وتعالى اختص أمة محمد عليه الصلاة والسلام بمكرمة عظيمة وأمانة عجزت الأرض والجبال والسموات أن يحملنها وحملها الإنسان. هذه الأمانة هي أمانة الدين باتفاق أغلب المفسرين. لقد شاء الله عز وجل أن جعل أمة نبيه الأعظم ورسوله الأكرم صلوات ربي وسلامه عليه خير أمة أخرجت للناس قال تعالى في كتابه العزيز: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)). فلله الحمد على ما أعطى ولله الشكر على ما أخذ.. إن نعمة الإسلام من أجل النعم التي منّ بها الله علينا وأكرمنا بها؛ فالإسلام دين جامع لكل شأن من شؤون الحياة. فلقد تطرق الإسلام وسنّ عديد القوانين في مجال السياسية والاقتصاد والحرب والصحة وفي مجال التعليم... إلى آخره من مجالات الحياة التي إن أردنا أن نعدها لما استطعنا إلى ذلك سبيلا. فالله وبشريعته العظيمة الجليلة أدخلنا تحت سقف عظيم إن استطعنا أن لا نميل عنه نجونا في الدنيا والآخرة ألا وهو الصراط المستقيم. لا تصح صلاة المؤمن بدون ذكر هذه الآية ((اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ))، وفي الحقيقة لقد تدبرت في هذه الآية قليلا فوجدتها سبب سعادة المؤمن في الدنيا وفوزه في الآخرة. نعم إخوتي أخواتي وأستحضر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يؤصل مفهوم الصراط المستقيم في أذهان الصحابة فقال: ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جانبي الصراط، سوران مفتحة بينهما، وأبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول: "يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا" وداع يدعو من فوق الصراط. فإذا أراد الإنسان فتح باب من هذه الأبواب قال: "ويحك، ويحك، إن تفتحه تلجه" -انظروا ماذا قال بعد ذلك– فالصراط هو الإسلام -وهذا هو الشاهد- والستور هي حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق الصراط هو قلب كل مسلم" انتهى.

إن الصراط المستقيم هو الإسلام بمقتضى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمؤمن العاقل الفاهم المتدبر حين ما يخشع في صلاته ويدعو الله لهدايته في كل المجالات للصراط المستقيم، فهو بفضل الله يسعد في الدنيا ويفوز في الآخرة بنعمة من الله وفضل عليه وكما قال أحمد الشقيري: "الصراط المستقيم لسعادة المسلم وليس لشقاءه" فوالله لم ينزل القرآن لشقاء البشر ولكن نزّله الله لتكون أنت.. نعم أنت.. لتكون في أرقى وأسمى وأطهر طريقة تظهر فيها أمام الناس؛ أمام نفسك، أمام والديك، أمام زوجك، أمام أولادك، أمام أقاربك، أمام أصدقائك وأحبابك. وفي الأخير أمام المجتمع كله.

إن الأمة الإسلامية وعبر التاريخ -منذ نزول القرآن على سيدنا محمد إلى يومنا هذا- عرفت عديد التغيرات والتقلبات والنكبات. فانظر أخي الكريم وأختي الكريمة إلى أيام الأمة في عهد الرسول وعهد الخلفاء الراشدين من بعده ثم انظر كيف أصبحت في عهد الدولة العباسية والأموية والعثمانية وغيرها حين تمسكها بالصراط المستقيم في تعاملها في مختلف مجالات الحياة ثم قارن ما حققت هذه العصور وانظر إلى حال الأمة الإسلامية هذه الأيام وما تم تحقيقه. ستعلم حينها وبمجرد قليل من التفكير وإعمال العقل أن العرب في مشارق الأرض ومغاربها لم يقوموا بإنجازات كثيرة في سنين كثيرة إلا ما رحم ربي. وبذلك نستخلص أنه لن تقوم لنا قائمة إلا حين ما نعود إلى الإسلام وأستشهد على ذلك بحديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -فاروق الأمة رضي الله عنه: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة من دونه أذلنا الله". كأنك بيننا يا عمر.. نعم لقد ابتعدنا عن الإسلام في القرن الــ 21 كتباعد الأرض عن السماء فهاهي النتائج أمامكم؛ جامعاتنا تحتل المراكز الأخيرة في العالم.. هذا على سبيل المثال وستجد غيره في مجالات عديدة وكثيرة مثل السياسة والاقتصاد والفنون الجميلة مثل المسرح والسينما والرسم إلى غير ذلك من هذه المجالات. قد شاهدنا ما فعلت الأنظمة الديكتاتورية في الشعوب العربية والإسلامية من إعاقة كلية لكل وسيلة من وسائل التفكير وها نحن نرى ونشاهد ونسمع أيضا ما يحصل في أيامنا هذه، أيام "الحرية" كما يدّعون، ها نحن نرى العجب العجاب وما وصلت إليه دول الحرية من فوضى وقتل وعنف وهمجية بين أبناء الشعب الواحد وأكبر دليل على كلامي هو ما يحصل اليوم في كل من تونس وليبيا من قتل للجنود وقتل للأبرياء والمستضعفين من الولدان والشيوخ والنساء. هذه حال أمتنا في عصر "الحرية".

أقول وبالله التوفيق أنني لا أنكر حجم العقل البشري الذي وبفضل الله صال وجال في كامل الكون وحقق عديد الإنجازات المهنية والإبداعية بفضل ما وصل إليه من نهضة فكرية وتقدم علمي وتكنولوجي مبهر لكن في مجال تنظيم شؤون الناس فإنه لا يخفى على جميع الناس أن للقوانين الوضعية التي صنعها العقل وألفها قد باءت بالفشل الذر يع وأكبر دليل على صحة كلامي أن للقوانين ثغرات عظيمة وصلت في كثير من الأحيان إلى تبرئة المجرم وتجريم البريء فأي عصر نعيش فيه؟؟.. يا للخزي والعار أن ننقاد وراء قانون من صنع البشر وننساق إليه كانسياق القطيع وراء الراعي ويا حزن ما سأقوله الآن. فالراعي الآن ليس مسلما وليس عربيا بل هذا الراعي هو الغرب اليهودي والصهيوني والمسيحي والمنافقين من العرب. إنه لعار كبير ولخزي عظيم في وجوهنا أولا أمام الله ثانيا أمام رسول الله ثالثا أمام سلفنا الصالح أن نصبح بهذا الهون والضعف الذي نعيشه الآن في هذه المرحلة العصيبة في تاريخ الأمة.. أنظر قليلا معي وتدبر في حال الأمة الآن؛ قصف بالليل والنهار على غزة من طرف العدوان الإسرائيلي الغاشم. في آخر هجوم على غزة سقط حوالي 1300 قتيل وأكثر من 7200 جريح وهل تظن أنهم من الجنود والمقاومة؟؟ لا ورب الكعبة بل إنهم من الأطفال والنساء والشيوخ. أي عدوان هذا؟؟ وأي مجزرة هذه؟؟ لا نملك الآن إلا أن نقول ((حسبنا الله و نعم الوكيل)). أنظر إلى سوريا اليوم أيضا مئات القتلى وآلاف الجرحى والمخطوفين.. هؤلاء يتعرضون لأقصى أنواع التعذيب. بالله عليكم أين منظمة حقوق الإنسان وأين قانون حق الشعوب في تقرير مصيرها؟؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. كل هذه الحروب والآفات ناتجة عن سبب واحد ألا هو الحياد والخروج من الصراط المستقيم والابتعاد عنه فانظروا إلى حجم المصيبة التي وقعنا فيها؟ هذه عينة صغيرة من الذي نعايشه في هذا العصر؛ عصر غلبت فيه الماديات والشهوات، عصر طغى فيه حب الدنيا وكراهية الموت، أقل ما يقال عن هذا العصر أنه عصر لجاهلية ظلماء. فبالله عليكم متى يلوح نور الصبح ونور العلم ونور الإيمان من جديد؟؟ صدقوني قريبا قريبا بإذن الله سيعلو صوت النصر قريبا بفضل الله ومنّه علينا. هذا ليس من باب التمني بل لا إنه من باب علم اليقين في انتظار عين اليقين. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)). فأبشروا يا إخوتي ويا أخواتي.. أبشروا بنصر من الله وفتح قريب.. فبإذن الله سنعود للالتفاف حول هذا الصراط المستقيم وسنهزم أعدائنا أعداء الدين بفضل من الله ومنه علينا ..

ولكن أعلموا يا أحبتي أننا لن نتمكن من تحقيق النصر إلا بثلاث: الإخلاص في العلم وفي العمل وكذا الثقة بوعد الله. فلنتوكل على الله وسيأتينا النصر عن قريب بإذن الله سبحانه وتعالى وسنفصّل ذلك أيها الأحبة بفضل الله في المقالات المقبلة بإذن الله...

المؤلف: محمد أمين الهبيري

عظمة المرأة وصراع الحقوق

عملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد كتب مرة يقول: "إن المرأة لم تزل ضحية الضحايا في كل عصر يطغى عليه الحرمان وتبوء بالشقاء".
إن قراءة التاريخ تدل بشكل أو بآخر على التناسب الطردي بين حقوق المرأة والتقدم الحضاري فما من مجتمع استفحل فيه الفساد الأخلاقي -وأقصد الأخلاق الحقيقة وهي لا تنحصر في اللباس كما يود البعض- والدمار الحضاري والتيه في صحراء الجهل إلا وكان وضع المرأة فيه غارقا في الانحطاط والعبودية.
كارل ماركس: "إذا أردت أن تعرف مدى تقدم مجتمع ما، فأنظر إلى وضع المرأة".
من يقرأ عن النهضة الأوروبية وعن بدء جيل المثقفين في القرن السابع عشر في تلك المنطقة المظلمة سابقا المنيرة لبقاع العالم اليوم، سيعلم مدى تقارب حالنا اليوم مع حالهم. وإحدى التشابهات هي ظلم المرأة فقد كانوا قمة في التخلف الحضاري والفكري والثقافي يوم كانوا يناقشون هل للمرأة روح أم لا؟ هل المرأة كائن شيطاني أم لا؟ هكذا كانت المرأة عندهم، وهو ما لا يختلف كثيرا عن ما يحدث اليوم للمرأة العربية.
فقط في المجتمعات العربية تقف المرأة بالضد من حقوق المرأة تفخر وتفرح بتلك العبارات التي تحول منها إلى شيء يحوزه الرجل وهي مرتاحة إلى ما وصل إليه حالها.. عبارات "المرأة كنز الرجل - المرأة حلوى مغطى".

"المرأة مكافأة الرجل" عبارة تنشرها المرأة في الفيس بوك اعتقادا منها أن هذا أبلغ ما قد يقال في حق المرأة ولكن في الحقيقة ما من قول أبلغ من أن توصف المرأة بالإنسانة.
ولن يعيد حق المرأة إلا المرأة نفسها والمشكلة أن الإنسان لا يغير من حاله إلا بمقدار إحساسه بسوء حاله. فالفقر ليس سبب الثورة، بل الشعور بالفقر، كما يقول ماركس، كذلك ما لم تشعر المرأة بما سرق منها من إنسانية ستستمر في إهانة نفسها.

وشعرت بالراحة التامة يوم تحررت ولكن من ملابسها!! نوع من الأفيون تتعاطى منه المرأة كلما أرادت أن تتحرر حقا... ويبقى التحرر الفكري غاية لا تدرك لافتقار المرأة الإحساس بالحاجة إليه، على المرأة أن تعرف أن الحرية ليست اللباس وإنما اللباس حرية، لا يجب علينا اختزال حرية المرأة في الحصول على حق لبس ما تشاء، فالحرية أعمّ من اللباس بمراحل.
هناك فرق بين المرأة الإنسانة والمرأة "الشيء"
يطلق البعض دعاوى تحرر المرأة لكن دون أن تكون هذه الدعاوى مدروسة. يصرخون يا أيتها المرأة ثوري وتحرري من قيدك وهاجمي كل ما يمنعك من حريتك، ولكن أين لو تبعت المرأة صراخهم أين سينتهي بها المطاف؟

يعجبني قول لعالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي رحمه الله "لا يكفي الفكرة أن تكون صحيحة في حد ذاتها الأحرى بها أن تكون عملية ممكنة التطبيق".

على المرأة العربية أن تعلم أن العالم لا يتألف من النساء وحدهن، العالم يتألف من النساء والرجال. لذلك أي دعوى لا تحسب للمكون الآخر في العالم، لا تنشب أن تعود بالضرر على المجتمع، وبالتالي الضرر على المرأة نفسها، فهي ليست إلا نصف معادلة المجتمع. لذلك علينا أن نعي أن المرأة لن تحصل على حقوقها بمحاربة الرجل بسبب سلبه لحقوق المرأة، ولكن يتم بتغيير الأفكار السائدة في المجتمع، التي جعلت من سلب حقوق المرأة أمرا طبيعيا فيه. ولن تتغير هذه الأفكار من تلقاء نفسها بكل تأكيد، ولكن نشر الأفكار الجديدة، هو الذي سوف يغير الأفكار السائدة، وسوف تحل الأفكار الجديدة الداعية إلى حصول المرأة على حقوقها المسلوبة محل الأفكار القديمة، فهذا هو دأب كل مجتمع فما أن تشيع أفكار جديدة حتى نراه قد ترك ما اعتاد عليه لسنين طويلة استجابة إلى هذا الفكر الجديد، فالإنسان لا يترك عاداته إلا بعد أن يجد ما يشجعه على اتخاذ عادة أخرى معاكسة لها، لذلك على المرأة أن تثور ولكن بهدوء. عليها بالثورة ولكن بعقلانية.

وجدت في إحدى المرات على موقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك"، خبر حصول النساء في إحدى الدول على حق بسيط من حقوقهن بعد نضال طويل، ولكن رأيت تعليقات النساء على الموضوع لا تخلو من سخرية هنا أو هناك ولا اعلم لماذا! هل يردن الحصول على حقوقهن بلمح البصر!! هل الموضوع فعلا بهذه البساطة!! غير صحيح. فالمشوار طويل. إن المرأة العربية في القرن الواحد والعشرين، قد لا تنعم بكثير من الحقوق التي تتمناها، ولكن إذا سارت في الطريق الصحيح فلن ينتهي هذا القرن إلا وقد حصلت على حقوقها كاملة بلا نقصان. ولكن الطريق طويل، ويتطلب الصبر على سنين عجاف بلا حقوق إلا القليل، إذا كنّ فعلا يردن حقوق المرأة أن تُضمن كُلّها، لا بعض ما يُفرحن به أنفسهن من حقوق آنية لا تلبث أن تنقلب ضد المرأة بطريقة أو بأخرى. لذلك علينا أن نفهم أن كل تقدم بسيط يخدم حقوق المرأة هو شيء مفرح، هو شيء إيجابي، هو شيء يستحق أن يُدعم وأن نخطو بعده خطوة أخرى فإن "مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة".


فمن ذا يقول إن الغاية عبث لأن الطريق إليها طويل!!

تأليف: علي الهاشمي

الاثنين، 17 أغسطس 2015

زيارة إلى قلبك

عجيب أمره.. كيف يمكن لذلك العضو الصغير في الحجم أن تكون له كل هذه السيطرة على باقي الأعضاء.. أن يكون له كل هذا التأثير على النفس.. الروح والجسد كالخاتم في إصبعه.. إذا مرض مرضت الروح والجسد، وإذا إنتعش انتعشت الروح ورقصت خلايا الجسد على لحن دقاته العذبة واستيقظت النفس مستبشرة ببداية يوم ربيعي جميل..

نعم إنه القلب.. إنه تلك العضلة النشيطة التي تضخ الدم إلى سائر خلايا الجسم.. تلك العضلة التي تعمل بلا كلل ولا ملل..
ولكنها متقلبة المزاج.. كطفلة مشاكسة، تحتاج منك الفطنة والحذر في التعامل معها.. كفتاة مدللة، تريد منك الإهتمام التام.. كسيدة تنذرك بأن إهمالها ليس بالأمر الهين، وقد تغادرك في النهاية إن أنت أخذت إنذارها على محمل الهزل.. كعجوز مقعدة، تحتاج منك عناية خاصة..
نعم.. إنه القلب.. ذلك العضو الصغير ذو الشأن الكبير...
ولكن.. متى كانت آخر مرة زرت فيها قلبك؟ متى كانت آخر مرة تمشيت في أرجائه.. تجولت في أركانه.. دخلت غرفه.. تفقدت أثاثه؟
لا تعلم؟ إذاً دعنا ندخل الآن.. لا تخف..
ما هذا؟؟
حديقة موحشة إحتلتها الأعشاب الضارة والأشواك.. غرف مظلمة.. حيطان إسود لونها.. أركانٌ إتخذتها العناكب والحشرات بيوتاً ومسكناً.. أثاث دفن تحت غبار كثيف.. ستائر ممزقة..
ما هذا يا صديقي؟ آه عذراً! لا بد أنك لا تعلم، فقد مرت فترة طويلة منذ أن زرت فيها قلبك.. لا لوم عليك!

مهلاً!
ما هذا الضوء الخافت من بعيد؟ دعنا نتحقق من الأمر..
انظر! انها شمعة.. شمعة مضيئة.. شعلة تصارع الرياح.. قبس من نور لازال يقاوم.. ولكنها شمعة قصيرة هزيلة تحتضر.. حائرة هي.. لا تدري لمن تسلم تلك الشعلة، فقد فارقت زميلاتها الحياة .. فبقيت شمعة وحيدة.. شمعة قصيرة هزيلة تحتضر.. لكنها لم تيأس، مازال الأمل رفيقها وأنيسها في هذه الظلمة...

لم تزدها سخرية تلك الأركان المظلمة إلا إصراراً وتحدياً.. شمعة لا ترضى بأن تنير ركنا وحيداً فقط.. شمعة تستفزها باقي الأركان المظلمة.. شمعة مازالت تنتظر من يأتي ليكمل المهمة من بعدها..

أ لم تعلم بعد من هي تلك الشمعة؟
إنها روحك.. روحك التي أقعدها المرض.. روحك التي تصارع الموت كل يوم والموت لازال يتربص بها من كل الجهات ...
منفذ آخر فقط، وتزهق تلك الروح المسكينة التي تسارعت أنفساها وخنقتها العبرات.. تلك الروح التي لازالت تنتظر من يأتي لينعش هذا القلب الذي يحتضر.. هذا القلب الذي قاطعها ومنع عنها الاكسجين والغذاء.. تلك الروح التي لازالت تنتظر.. تنتظر من يعيد إليها الحياة فتبعث من جديد..
إذاً يا صديقي.. أما آن الأوان أن تقوم بزيارة؟
ربما تزيل بعض الغبار.. ترمم بعض الأثاث.. تغير الديكور.. تقتلع بعض الأعشاب الضارة.. تغرس شجرة برتقال هنا وشجرة تفاح هناك.. قرنفل هنا وياسمين هناك..

أما آن الأوان أن تطرح هذا السؤال: كيف حالك يا قلبي؟ أ بخير أنت؟ ما أخبارك؟
أما آن الأوان أن تراجع نفسك؟ تتجاذب أطراف الحديث مع أناك التي تقبع داخل قلبك؟ مع تلك الروح التي أقعدها المرض ولازمت الفراش؟

بلى، قد آن الأوان..
قف يا صديقي.. فلتضع يدك على صدرك!
أمازلت تشعر بدقات قلبك؟ قلبك مريض نعم، ولكنه مازال يعمل..
أتشعر بذلك النبض الشبيه بسمفونية جميلة تطرب لها الآذان؟
أتشعر بذلك الإيقاع المتناهي في الدقة؟
أتشعر بتلك الدماء المتدفقة في عروقك؟
أتشعر بتلك الخلايا التي تتنفس الصعداء كلما وصلها الأكسجين والغذاء؟
ألم تسري في جسدك قشعريرة بعد؟
ألم تشعر بعظمة الخالق المبدع الذي وهبك قلباً ينبض ويداً يمكنك رفعها لتضعها على ذلك الصدر وتشعر بذلك النبض الذي يطمئنك ويخبرك بأنك لم تمت بعد.. بأنك مازلت على قيد الحياة.. بأنك حي ترزق.. بأنه لم يفت الأوان بعد لتمتهن مهنة الطب وترتدي ميدعة بيضاء وتضع سماعة وتصغي إلى قلبك...
إجعله يخبرك كيف بدأ هذا المرض.. ما العامل القادح الذي بدأت معه الأعراض بالظهور؟
إجعله يخبرك بكل شيء.. ويعترف بمدى اهماله وأنه كان سبباً في الذي حصل له، ولو بنسبة ضئيلة..
ولكن لا تنس أن تطمئنه وتخبره بأن إعترافه بحالته وزيارته للطبيب دليل على مدى وعيه ورغبته في التحسن.. أخبره بأن الشفاء رهين بمدى تعاونه ويحتاج إلى ثقة متبادلة وعلاقة أخذ وعطاء بين المريض والطبيب ومتابعة مستمرة من قبل الطبيب..
أخبره بأن الدواء ليس باهض الثمن ولكنه مرتبط بمدى رغبته في الشفاء ومدى إلتزامه باتباع نصائح الطبيب وعدم إهماله لتعليماته..
تلك الكآبة والحيرة التي أصابتك يا قلب ستندثر.. ذلك الألم الذي تشعر به سيزول بإذن الله.. فقط، عليك باتباع وصفة الطبيب.. الطبيب الذي هو أنت في آخر الأمر...
ولكنك الآن وقد علمت بأنك في حاجة إلى تغيير شيء ما في داخلك.. في حاجة إلى سكينة تطمئن بها قلبك وتداوي بها جروحك، قد تتساءل يا ترى، ما الدواء الذي سأصفه إلى نفسي؟

هنا يجيبك الحق جل جلاله؛ " ألا بذكر الله تطمئن القلوب"
قلبك أكلته الهموم؟ قلبك أغرقته مشاغل الدنيا؟ "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"
قلبك جريح؟ قلبك ينزف توتراً؟ "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"
قلبك يحتضر؟ قلبك يكاد يتوقف عن النبض؟ "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"
أذكر الله يا صديقي...
لا تجعل يومك يمر من دون ذكره...
لا تجعل تلك السويعات تتفلت من بين أصابعك من دون ذكر السميع العالم..
هو الذي يعلم ما في قلبك.. هو الذي يعلم معاناتك.. أذكره.. إشتك له.. سيستمع إلى شكواك.. وستنفس أنت عن ما تلاقيه..

فقط أذكره..
لتطمئن... و ليطمئن قلبك..
هذا الدواء يا صديقي يمكنك أخذه متى شئت.. صباحاً أو مساءً.. حبة أو حبتين.. قبل الطعام أو بعده.. في بيتك أو في عملك.. جالساً كنت أو مهرولا.. لست مقيداً بوقت ولا بمقدار معين .. متى أخذته وواضبت عليه، سيؤدي مفعوله بإذن الله..
والقرآن..
القرآن يا صديقي..
القرآن الذي فيه شفاءٌ لأمراض الصدور وجراح القلوب ...
القرآن الذي يمطر قلبك غيثاً نافعاً فيؤتي أكله من بعد ما كان قاحلاً موحشاً، احتلته الأشواك والأعشاب الضارة..
القرآن الذي به الجراح تندمل والندوب تختفي...
القرآن الذي به تنتعش الروح وتنقشع الظلمة...
القرآن الذي به تحيا القلوب...
فلتقرأ منه ما تيسر يومياً وإحفظ في صدرك نصيب منه..

تخيل معي فرحتك وأنت تستمع إلى تلاوة آية ما وتكملها أنت حفظاً.. نعم يا صديقي، ستزهو وستطرب، وإن كنت لا تفقه منه شيئاً ولكن ستغمرك فرحة لا تدري من أين وكيف أتت، وإن كان السبب واضحاً وضوح الشمس..

فلتشمر عن ساعدك ولتعزم ولتتوكل على الله ولتعاهد نفسك بأن تجعل للقرآن مكاناً في جدول أعمالك اليومي المزدحم.. مكانا مقدساً لا يمكن المساس به.. مكاناً سيظل ما ظللت حياً .. مكانا سيبقى وسيدوم مادامت السعادة ضالتك والفرح غايتك..
الآن وقد واضبت على هذه الوصفة، فباقي ما سأخبرك به لن يتطلب منك جهداً كثيراً.. فقط المثابرة حتى تتعود على هذا الأمر.. حتى يصير وكأنه جزء منك..

لا تنس وأنت تستيقظ صباحاً بأن تخبر نفسك بأن هذا اليوم سيكون سعيداً بالرغم من الهموم والمكارب.. بأن تعد قلبك بأنك لن تنساه اليوم.. لن تحرمه من الفرح.. السعادة قرار.. ستأتيك متى فتحت لها الأبواب، متى استقبلتها بالأحضان..
لا تنسي وأنت تنظرين إلى نفسك في المرآة وأنت تضعين زينتك ومعطفك متأهبة للخروج بأن تحمدي الله على هذا اليوم الجديد..
لا تنس وأنت تسوي ربطة عنقك بأن تشكر الله لأنك اليوم في صحة جيدة.. وأنظر إلى صورتك التي في المرآة.. تأملها جيداً.. أشر إليها بإصبعك.. وقل لها: " أنا اتحداك اليوم بأن تقدم أفضل ما عندك.. بأن تدرس باجتهاد.. بأن تتقن عملك.. وليكن التحدي شعارنا.."
لا تنس وأنت تمشي في الطريق، قاصداً وجهتك، بأن ترسم على محياك إبتسامة عذبة، تكون كالشحنة الإيجابية من أجل كل شخص يمر بجانبك.. من أجل يومك هذا.. من أجلك أنت..
لا تنس وأنت تمر بجانب طفل صغير بصحبة أمه بأن تبتسم له، وتلاعبه وتثني عليه..
لا تنس وأنت تمر بجانب شيخ طاعن في السن، يحاول بجهد قطع الطريق والسيارات تأبى بأن تتوقف له والكل مسرع متشنج لا يكاد يلمح بعضهم بعضاً.. بأن تلمحه أنت.. بأن تلاحظه أنت.. بأن تساعده أنت.. صدقني، شعور بالرضا لا يشترى بمال سيتسلل إلى قلبك ويضيء شمعة ما في ركن ما..
لا تنس وأنت تمر بحارس مرور أو عامل بناء أو عامل نظافة، بأن تبتسم له وتسلم عليه وتدعو له بالتوفيق والسداد..
لا تنس وأنت ترى أذى في الطريق، والكل يمر بجانبه وكأن الأمر لا يهمه ولا يعنيه.. بأن يهمك أنت.. بأن تكون أنت المعني بالأمر.. أزحه عن الطريق.. ثم أكمل مسيرك مبتسماً.. فعلت خيراً اليوم ..
لا تنس وأنت تمر بشاطئ البحر.. بحديقة.. بأشجار.. بأزهار.. بأن تلاحظ.. وتتأمل.. وتمتع عيناك.. وتملأ رئتاك هواءً نقياً.. ثم تمر..
لا تنس كثيراً من الأشياء يا صديقي...

إجعل لهذه التفاصيل الصغيرة حيزاً في حياتك اليومية.. ففيها ما لا يمكن لأي حبوب أو حقن منافسته في الشفاء.. فيها ما لا يمكن لأي مال شراؤه.. فيها سعادتك وطربك.. فيها دواء لقلبك وشفاء لروحك و سكينة لنفسك..
.. ثم تفقد قلبك يا صديقي.. يا ترى كيف حال تلك الشمعة الوحيدة؟
احملها وتجول بها في سائر أركان قلبك.. ستجد شموعاً أخرى ملقاة على الأرض.. لم تلمحها لأنك لبثت في مكانك ولم تبحث.. لأنك رضيت بالظلمة عنواناً لك..
أسرع يا صديقي ومرر النور إلى باقي الشموع ما دامت تلك الشمعة لم تنطفئ بعد ..
أسرع وإعتزل الظلمة.. إجعل النور عنواناً لك والضياء شعاراً لك.. والحياة غايتك والسعادة ضالتك..
والآن.. قف يا صديقي من جديد كما وقفت أول مرة.. ضع يدك على صدرك..
بماذا تشعر؟؟..

المؤلف: مريم الخلفاوي

هل يسير الإسلام المعاصر في طريق الكنيسة القديمة؟

قد يتساءل البعض عن ماهية السؤال المطروح في عنوان المقال، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعانيها العالم الإسلامي من جهل وفقر وتدهور للحياة الاجتماعية للأفراد وكذا من اتهام للإسلام بالتطرف والإرهاب، فالسؤال المطروح إذن هل صار الإسلام طرازا قديما ينبغي علينا التخلص منه بسرعة لتحقيق التطور والرفعة كما فعل الغرب بالكنيسة؟

عندما أقرأ في كتب التاريخ عن الأحداث التي تزامنت مع عصر النهضة الأوروبية التي انطلقت في أواخر العصور الوسطى من إيطاليا، ثم أخذت في الانتشار إلى بقية أوروبا من القرن الرابع عشر ميلادي إلى القرن السابع عشر وصولا إلى الثورة الصناعية في أواسط القرن الثامن عشر، أجد أن عصر النهضة قد شهد انقلابات في العديد من الممارسات الفكرية واضطرابات سياسية واجتماعية كذلك، وخصوصا صراعات وتصادمات مع رجال الدين. فتلك الفترة تميزت باتجاه المجتمع الأوروبي إلى الزهد في الدنيا، والتبتل إلى الآخرة، وذلك نتيجة هيمنة رجال الكنيسة على مختلف شؤون الحياة، باعتبارهم علماء دين وفلاسفة قانون روماني، فحاربوا المفكرين، وحاكموهم بقسوة، واحتكروا زعامة المجتمع، فتفشت فيه الخرافات وعم الجهل، فنجد أن جاليليو (1564-1642) العالِم الفلكي
والفيلسوف والفيزيائي الإيطالي قد تم الحكم عليه بالإقامة الجبرية في منزله حتى وافته المنية سنة 1642، لأنه قال بدوران الأرض حول الشمس وليس العكس. ولم يكن محظوظا -مثله- جوردانو برونو الفيلسوف الإيطالي حيث تمت ملاحقته وقطع لسانه وحرقه بتهمة الكفر لإثباته نفس النظرية.
"اشنُقُوا آخِر مَلِك بأمعَاءِ آخِر قسّيس".. هكذا نهضت أوروبا.
فهل علينا نحن المسلمين أن نشنق أخر رئيس بأمعاء آخر إمام!؟
سؤال لم أجد له جوابا بعد وهذا هو الغرض من هذا المقال، أن تشاركوني بآرائكم علنا نستطيع إيجاد حلول لنهضة أمتنا من جديد.

المؤلف: عادل حمو

الأحد، 16 أغسطس 2015

لقد كانت المدرسة مكانا غبيا.. (1)

في العالم توجد مدارس لتعليم كل شيء عن كل شيء، لكن المدرسة عندنا لم تعلمنا الحب ولا الإيمان ولا الصلاة في أبعادها التأملية العميقة ولا التعامل مع الناس ولا ممارسة العمل ولا التعامل مع المال.. ولا أي أمر نافع حقيقة في الحياة..
لا شيء سوى بلادة أساتذة نختصم معهم حول الأعداد والملاحظات وعدم فهم الغرض من الدروس..
ولا شيء سوى تملق بعض الطلبة للأساتذة لتحصيل علامة أعلى أو توصية لتدريب لا يشبه التدريب في شيء أو تدبير نصف عمل بالواسطة في أفضل الحالات..
كان الكل خائفا من الكل.
أذكر أن الأساتذة كانوا يخشون وقاحة بعضنا أو علاقات والديه أو حتى مجرد إحراجه لهم!
لقد كانت المدرسة مكانا غبيا..
أكره إلى هذه اللحظة مديرا ضربني على وجهي لأني كنت أجري في ساحة المدرسة.. وكان أبي صديقا له، فكلما سببته أمام والدي غضب، فأكرهه مع المدير..
كرهت جل معلمي وأساتذتي وسخرت من أغلبهم ولم تجمعني علاقة طيبة سوى بالقليل القليل منهم، حتى أني هددت أحدهم بعد أن طردني من الفصل بلقاءه في الحافلة.. فاشترى سيارة بعد أسبوع..
في قرارة نفسي لم أكن أحترمهم، لأن أغلبهم متشابهون يجمعون المال ولا يفيدونني بشيء سوى مزيد تكرار العادات البالية البليدة كل صباح..
إحداهن أشبعتني ضربا بمسطرتين رقيقتين ذات صباح شتوي فقط لأني نسيت ميدعتي عند خروجي مسرعا من البيت، فارتديت معطفي الصغير فوق صداري الصوفي على عجل، بسبب البرد أصلا ربما. فكان أن زادت ألمي ألما وأمام الجميع.. بكل قسوة. أقسم أني أتمنى كل لحظة رد تلك الضربات لها وهي عجوز اليوم..
إحداهن ربما ماتت الآن، كانت تتوعدني بكسر شوكتي، وأنا في التاسعة من عمري!
تصور! لي شوكة بهذا الخطر حتى تكسرها المعلمة!
مشاهد كثيرة يعزيني فيها ردة فعلي الساخرة والمنتقمة أحيانا كثيرة..
على فكرة، كنت أحصل أحسن الأعداد لأن أمي تجبرني على الحفظ، أما أنا فلم أكن أهتم ومازلت لا أهتم.. حتى أني لما اختلفت مع أمي حول تدخلها في دراستي، عندما بلغت الجامعة فأقسمت أن تتركني وشأني، رسبت مرتين..
وها أنا ذا، مازلت أكره المدرسة التي كانت كل عالمي، والتي بكيت يوم تركتها بعد التخرج لأني لم أعلم أين أذهب بعدها.. وأكتشف صعوبة الحياة خارجها وألعن كل لحظة مرت علي دون أن أفهم غرض وجودي وأحدد أهدافا دقيقة في الحياة سوى اجتياز الامتحانات بنجاح، وأقرر كيف أريد أن أعيش.. وأندم على كل يوم صدقت فيه أني سأتخرج متعلما قادرا على النفع وامتهان عمل يحقق ذاتي ويفيد مجتمعي.. فإذا أنا مجرد ملاحق لسراب المال باحث عن الاستقرار المادي والأمان في واقع يشبه كل شيء إلا المدرسة، وحيث كل الناس أسوأ حتى من تلك المعلمة الشمطاء!